فلسطين أون لاين

قرب الخط الأصفر بغزة.. مربي نحل يقاوم الدمار والغلاء لإنقاذ خلاياه

...
ارحيم خلال عمله في تربية النحل قرب الخط الأصفر شرق غزة
غزة/ جمال غيث:

يقف مربي النحل حسام ارحيم (42 عامًا)، المعيل لأسرة مكونة من ستة أبناء، أمام خلاياه القليلة في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، على بعد نحو كيلومتر واحد من "الخط الأصفر".

وبين الركام الذي خلفته حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، يصر ارحيم، على مواصلة عمله في تربية النحل بالرغم من الخطر الذي يقترب من مصدر رزقه؛ للحفاظ على مهنة أحبها على الرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت له.

وقال ارحيم لصحيفة "فلسطين": إن آليات الاحتلال الإسرائيلي جرفت الأراضي الزراعية، ودمرت المناحل والبيارات التي كانت تشكل بيئة طبيعية للنحل خلال حرب الإبادة الجماعية على القطاع، تاركة خلفها أرضًا قاحلة.

واضطر ارحيم، بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة، بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلى تسوية أرضه حتى يتمكن من إعادة نصب خلاياه واستئناف عمله مجددًا.

WhatsApp Image 2026-07-18 at 2.01.23 PM (1).jpeg
 

وأضاف ارحيم: بدأنا أولًا بإزالة آثار الدمار وتسوية الأرض، ثم شرعنا في إصلاح صناديق تربية النحل التي تضررت خلال الحرب، وقمت بشراء عددًا محدودًا من الخلايا من مواطنين في وسط وجنوب القطاع، حتى أتمكن من العودة إلى العمل ولو بإمكانات بسيطة.

وبين أن تكلفة استعادة المشروع أصبحت تفوق قدرات معظم المربين، موضحًا أن سعر خلية النحل الواحدة كان قبل الحرب يقارب 300 شيقل، بينما ارتفع اليوم إلى نحو 7500 شيقل، نتيجة ندرة الخلايا وصعوبة إدخال مستلزمات الإنتاج.

وبدأ ارحيم، مشروعه مجددًا بعشر خلايا فقط، قبل أن يرفع العدد إلى عشرين، إلا أن الإنتاج بقي متواضعًا جدًا؛ بسبب غياب المراعي الطبيعية والغطاء النباتي الذي دمرته الحرب.

ويضيف مربي النحل: في الظروف الطبيعية كانت عشرون خلية تنتج نحو 100 كيلوغرام من العسل، أما هذا الموسم فلم نحصل إلا على نحو 10 كيلوغرامات فقط، لأن النحل لم يعد يجد ما يكفي من الأزهار ليتغذى عليها بسبب الدمار وتجريف الأراضي الزراعية في قطاع غزة من قبل قوات جيش الاحتلال.

WhatsApp Image 2026-07-18 at 2.01.22 PM (1).jpeg
 

ويشرح ارحيم، أن النحل يقطع مسافات تتراوح بين سبعة وتسعة كيلومترات بحثًا عن الزهور، وبعد تدمير معظم الأراضي الزراعية داخل القطاع، أصبح النحل يضطر إلى الطيران لمسافات أطول، بل يتجاوز أحيانًا المناطق الخطرة متجهًا شرقًا بحثًا عن مصادر للرحيق، الأمر الذي ينعكس مباشرة على كمية الإنتاج وقوة الخلايا.

مخاطر أمنية

وعلى الرغم من المخاطر الأمنية، يواصل ارحيم، عمله بالقرب من "الخط الأصفر"، وهو خط ترسيم عسكري يفصل بين المناطق التي يقيم فيها السكان والمناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.

وأردف ارحيم قائلًا: نحن قريبون جدًا من الخطر، لكننا متمسكون بمصدر رزقنا، وكلما اقتربت قوات الاحتلال من المنطقة نغادر حفاظًا على أرواحنا، ثم نعود مجددًا لرعاية خلايا النحل.

ولا تقتصر معاناة المربين على تراجع الإنتاج، بل تمتد إلى الارتفاع غير المسبوق في أسعار مستلزمات التربية، وعلى رأسها الشمع الأساسي الذي تضع عليه ملكة النحل البيوض، فبعد أن كان سعر الكيلوغرام نحو 70 شيقلًا قبل الحرب، تجاوز اليوم 1200 شيقل، في ظل انعدام المعروض وصعوبة إدخال المواد اللازمة، وفق ما قاله ارحيم.

WhatsApp Image 2026-07-18 at 2.01.21 PM (1).jpeg


ويطالب ارحيم، الجهات المختصة والمؤسسات الداعمة بتوفير الشمع وصناديق التربية والخلايا الجديدة، مؤكدًا أن استمرار هذا القطاع مرهون بتوفير الحد الأدنى من مستلزمات الإنتاج، خاصة أن مئات الأسر تعتمد عليه كمصدر دخل رئيسي.

وبين أن تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التربية إلى زيادة أسعار العسل في الأسواق المحلية، حيث بلغ سعر الكيلوغرام نحو 280 شيقلًا، "وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات التي تعاني أصلًا من ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، لذلك، بات معظم المواطنين يشترون كميات محدودة لا تتجاوز الوقية أو نصف الكيلوغرام، في حين يعجز آخرون عن شرائه بالكامل، على الرغم من استخدامه الواسع غذاء وعلاجا طبيعيا".

خسائر فادحة

ولم تقتصر آثار الحرب على المناحل وحدها، بل شملت أيضًا تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي التي يعتمد عليها النحل في جمع الرحيق، الأمر الذي ألحق أضرارًا مباشرة بقطاع إنتاج العسل في مختلف محافظات غزة.

وتندرج تربية النحل في قطاع غزة ضمن القطاع الزراعي الذي تشرف عليه وزارة الزراعة، بينما تمثل الجمعية التعاونية لمربي النحل الإطار الذي يجمع العاملين في هذه المهنة ويدافع عن مصالحهم.

WhatsApp Image 2026-07-18 at 2.01.21 PM.jpeg
 

ويطالب مربو النحل، في قطاع غزة، بتعزيز دور المؤسسات الرسمية والأهلية في توفير التدريب والدعم وتعويض الخسائر وحماية هذا القطاع الإنتاجي.

ووفقًا لبيانات الجمعية التعاونية لمربي النحل لعام 2025، بلغت خسائر قطاع تربية النحل وإنتاج العسل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نحو 39 مليون دولار، بعد تدمير ما يقارب 30 ألف خلية نحل كانت تنتج قبل الحرب مئات الأطنان من العسل سنويًا.

كما أدى تدمير الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية إلى تعطيل عمل آلاف العاملين في هذا القطاع، وحرمان مئات مربي النحل من مصدر رزقهم الوحيد، في وقت يحاول فيه من تبقى منهم، مثل حسام أرحيم، إنقاذ ما تبقى من خلايا النحل، على أمل أن تعود الأرض يومًا لتزهر من جديد، ويحاول هذا القطاع الحيوي أن يستعيد عافيته بعد واحدة من أشد الحروب تدميرًا في تاريخ غزة

WhatsApp Image 2026-07-18 at 2.01.23 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين