لم يكن الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، يومًا عاديًا في حياة الحكيمة غادة أبو عيدة، بعدما بلغت حرب الإبادة ذروتها وفرضت إيقاعها القاسي على غزة منذ ساعاتها الأولى.
آنذاك، كانت غادة تقف داخل مستشفى الإندونيسي، شمالي القطاع، ترتدي ثوبها الأبيض، وتؤدي واجبها في استقبال الجرحى، في حين كانت السماء تمطر نارًا من جراء الغارات الجوية المكثفة.
منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ألغت غادة إجازتها الأسبوعية، والتحقت بعملها ضمن حالة الطوارئ التي هيمنت على المستشفيات، كانت تغادر منزلها في السابعة صباحًا، ولا تعود قبل السابعة مساءً، مؤمنة بأن مكانها الطبيعي إلى جانب المصابين، وأن رسالتها بصفتها حكيمة تتقدم على كل شيء، حتى مع خوفها على أسرتها.
لكن الحرب كانت تخبئ لها امتحانًا يفوق قدرة أي أم على الاحتمال.
تروي غادة لصحيفة "فلسطين" جزءًا من تجربتها قائلة: "وقع قصف قريب من المستشفى، فاقتربت من إحدى النوافذ، وعندما رأيت الدخان يتصاعد شعرت أن الضربة أقرب إلى بيتي، حاولت أن أطرد الفكرة من رأسي، وعدت إلى الاستقبال أنتظر وصول الإصابات".
لم تمضِ دقائق حتى دخل أحد المسعفين مسرعًا يحمل طفلة صغيرة، لم تكن الطفلة مجهولة بالنسبة لها، فقد تعرّفت عليها من ملابسها فورًا.
تضيف: "صرخت دون وعي: "إنها سوار.. لحقت بالمسعف لأعرف ماذا حلّ بها، كانت إصابتها خطيرة في الصدر، وأدخلت إلى العناية المركزة لإنقاذ حياتها".
ثم بدأت سيارات الإسعاف تصل تباعًا، تحمل مزيدًا من المصابين، بينهم بنات شقيقها، عندها تحول القلق إلى يقين بأن الكارثة أصابت عائلتها".
وتتابع: "كنت أسأل نفسي: أين بقية عائلتي؟ أين أبنائي؟ كنا ثمانية أفراد، ولم أعد أعرف من بقي ومن رحل".
لم تتمالك غادة نفسها، وهرعت إلى مستشفى كمال عدوان، شمالي قطاع غزة، لتجد أحد أبنائها قد كسرت ساقه. ما إن وقعت عيناه عليها حتى قال الكلمات التي غيّرت حياتها إلى الأبد: "يما.. محمود مات"، عندما سمعت كلماته علمت أن ابنها قد استشهد.
لم تتمكن من رؤية نجلها الشهيد للمرة الأخيرة، ولم تودعه، ولم تحتضنه بعد أن كفّن، وواصلت البحث عن بقية أبنائها، حتى وصلت إلى مستشفى العودة، حيث وجدت ابنتها تالا مصابة بكسر في العمود الفقري، بينما أصيب ابنها الآخر بشظايا في الرأس وحروق من الدرجة الثالثة.
ورغم هول الصدمة، لم تُغادر الميدان، تُكمل: "جمعت أبنائي المصابين، وأخذتهم معي إلى المستشفى الأندونيسي، كنت أتنقل بينهم وبين المرضى، كنت أمًا لهم، وفي الوقت نفسه حكيمة لكل من كان يصل إلينا مصابًا".
ففي ذلك اليوم، كانت منطقة سكنها قد تعرضت لقصف عنيف بقنابل ثقيلة ألقتها طائرات الاحتلال، أسفر عن استشهاد نحو مئة شخص من عائلة أبو عيدة، عدا عن الجرحى والمصابين.
ورغم هذا النزيف الإنساني الهائل، لم تغادر غادة مهنتها، تضيف: "كلما وصل شهيد أو جريح، كنت أركض نحوه، لم أكن أفكر في نفسي، كنت أفكر أن هناك روحًا ربما ما زال بالإمكان إنقاذها".
ومع تصاعد هجمات الاحتلال على المستشفيات، اضطرت إلى النزوح إلى مستشفى كمال عدوان، لكن استهدافه من قبل جيش الاحتلال أجبرها على النزوح مجددًا إلى مستشفى ناصر الطبي في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث استمرت في أداء واجبها وسط ظروف قاسية، وأمضت أشهرًا طويلة تحت سقف خيمة في منطقة المواصي غربي المدينة.
وعلى الرغم من أنها ما تزال تعيش حياة النزوح بكل تفاصيلها المؤلمة، فإنها تواصل عملها حكيمة في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي للأطفال غربي مدينة غزة، لتبقى شاهدة على واحدة من أكثر الفصول قسوة في تاريخ المنظومة الصحية الفلسطينية.
لم تكن الحكيمة غادة مجرد موظفة في القطاع الصحي، بل أصبحت صورة لمعنى الصمود في غزة؛ امرأة فقدت ابنها، وأصيب أبناؤها، ودُمر محيطها، واستشهد عشرات من أقاربها، لكنها ذلك لم ينتزع رسالتها، وقد استطاعت أن تخفي قلبها المكسور وراء ثوبها الأبيض، ومسحت دموعها، ثم عادت لتضمد جراح المصابين، بينما ظل جرحها ينزف بصمت.