لحظات اقتطعها الطفل فيصل برفقة شقيقته لتصفح الهاتف المحمول ولم يدرك أنها الأخيرة التي ستجمعهما وستكون بداية مشوار من الألم النفسي والجسدي لا تلوح له نهاية في الأفق القريب، بعد أن بات طريح الفراش يعاني آلاما تفوق احتماله وينتظر بارقة أمل بالسماح له بالسفر.
ففي منطقة "فش فرش" في مواصي خانيونس كان قد استقر الحال بأسرة محمد بربخ بعد مشوار طويل من المعاناة والنزوح القسري من مدينة رفح داخل خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ليطلب منه طفلاه فيصل (٦ أعوام) و إيلاف (٤ أعوام) أن ياخذا هاتفه النقال لخارج الخيمة ليقضيا بعض الوقت في التسلية.
ولم يمر وقت طويل حتى انقلبت الأمور في المحيط فقصف جيش الاحتلال الإسرائيلي مكانا مجاورا لخيمته ليسقط جدار طوله ستة أمتار على طفليه.
يقول بربخ لصحيفة "فلسطين" عن تلك اللحظات الأليمة: "استشهدت ايلاف على الفور بينما أصيب فيصل اصابة بالغة ما زال يعاني تلك الإصابة حتى اللحظة، لا يعاني هو وحده بل نعاني أنا ووالدته معه، إذ فقدنا ابنتنا الوحيدة فيما نرى ابننا الوحيد أيضا يعاني دون أن نستطيع مساعدته".
أصيب فيصل بكسور متعددة في ظهره وحوضه أدت إلى إصابته بشلل نصفي فلم يعد قادرا على الحركة، حيث ان الحركة في رجله اليمنى خفيفة بالكاد يشعر بها، وما يزيد معاناته انه لا يستطيع حتى أن يجلس على كرسي متحرك فهو ممنوع من تحريك ظهره البتة.
يضيف والده: "منذ الثلاثين من ديسمبر من العام الماضي وفيصل ممدد على فراشه لا يستطيع الحركة مثل باقي الاطفال، وقد منحه الأطباء تحويلة علاج للخارج لأنه بحاجة لعملية جراحية معقدة جدا في الخارج وأي فشل فيها قد يؤدي لشلل مدى الحياة".
ويتابع: "فيصل بحاجة لعملية تثبيت للعمود الفقري حيث يعاني إصابات متعددة في الظهر وبحاجة بعد العملية للخضوع لتأهيل مكثف لا يمكن توافره في غزة في الظروف الحالية، ما يجعل من المستحيل إجراء العملية في غزة كما أنه قد يحتاج لسلسلة من العمليات الجراحية الأخرى".
عجز عن الحركة
ويعاني الطفل الجريح فيصل ظروفا نفسية صعبة من جراء فقدان شقيقته الوحيدة فهو دائم السؤال عنها وطلب اللعب معها ولم يستوعب أنها لن تعود، كما أنه لا يستطيع تحمل عدم قدرته على اللعب بعد أن كان يضج بالحيوية وهو من ينقل المياه إلى خيمة أسرته ويساعد أمه في كل متطلبات البيت والان اصبح عاجزا حتى عن الخروج خارج الخيمة.
والوضع النفسي الصعب ايضا يعاني منه والداه. يقول الأب: "أن ترى طفلك الوحيد وهو عاجز عن الحركة ويحتاج لعلاج بالخارج وانت غير قادر على مساعدته، هو امر بالغ الصعوبة، كل ما استطعت فعله هو الرحيل من المواصي ونصب خيمتي بجانب مستشفى ناصر خشية حدوث اي مضاعفات لابني وعجزي عن نقله لصعوبة حالته".
ولم تقف الإصابة حاجزا فقط أمام مساعدة فيصل لأسرته بل إنها حرمته أيضا من الالتحاق بالخيام التعليمية كالأطفال في سنه. "يطلب مني تعليمه القراءة والكتابة وأنا عاجز عن توفير القرطاسية له، فالمصاريف قد تضاعفت بفعل إصابته، وأنا أعمل باليومية"، يقول بربخ.
فـ" فيصل" يحتاج لحفاضات بجانب ادوية التقرحات وحبوب للتجلطات يوميا،" فأي تجلطات او تسلخات ستحول دون ان يجري الاطباء له العملية حتى لو سافر، وهو بحاجة إلى تغيير مشد الظهر الذي اشتريناه له بـ" ٥٠٠ شيكل" ، كل هذه مصاريف تفوق قدرتي المادية بأضعاف، وأنا عاجز عن توفير الغذاء الصحي له من بيض ولحوم وفواكه".
وترزح أسرة فيصل تحت ضغوط مالية ونفسية كبيرة في ظل عدم سفره العلاج بالخارج حتى اللحظة، " كل ما نريده هو انتهاء معاناتنا وسفر ابني حتى يستعيد صحته وعافيته، أنقذوا ابني الوحيد قبل فوات الأوان".