قائمة الموقع

طوب من النفايات.. محاولة غزية لمواجهة شح مواد البناء

2026-07-17T08:41:00+03:00
عبيد العمل يعمل على إعادة تدوير الركام والنفايات البلاستيكية وتحويلها إلى طوب
فلسطين أون لاين

وسط جبال الركام التي غطت أحياء قطاع غزة، وتكدس النفايات البلاستيكية في الشوارع ومراكز النزوح، ومع استمرار منع إدخال الإسمنت ومواد البناء منذ حرب الإبادة، لم يكن أمام المهندس المدني محمود عبيد سوى البحث عن حلول غير تقليدية، علها تسهم في التخفيف من أزمة الإعمار وتفتح نافذة أمل في وجه واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.

فبعد أشهر من متابعة حجم الدمار الهائل الذي طال المنازل والبنية التحتية، بدأ عبيد العمل على تجربة تقوم على إعادة تدوير الركام والنفايات البلاستيكية وتحويلها إلى طوب وقطع إنشائية يمكن استخدامها في الأرصفة والقواطع الداخلية والخارجية، مستفيداً من المواد المتوفرة داخل القطاع مع استمرار الحصار الخانق.

أزمة دفعت إلى الابتكار

لم تولد الفكرة داخل المختبرات، بل خرجت من قلب المعاناة اليومية التي عاشها سكان الخيام خلال الشتاء الماضي، حين تحولت الطرق الترابية إلى مستنقعات من الطين أعاقت حركة النازحين، بالتزامن مع تراكم كميات ضخمة من الركام والنفايات في مختلف المناطق.

ويقول المهندس المدني محمود عبيد لصحيفة "فلسطين": "الدافع إلى تنفيذ التجربة كان التحديات البيئية التي نعيشها في قطاع غزة، من تكدس النفايات والركام، إضافة إلى معاناة سكان الخيام خلال فصل الشتاء، إذ أصبحت الطرق وعرة ومليئة بالطين، لذلك بدأنا نفكر في كيفية تحويل هذه المخلفات إلى منتج يخدم المجتمع".

ويشير إلى أن معرفته السابقة بآلية عمل مصانع الأسفلت، التي اكتسبها خلال دراسته الجامعية، إلى جانب اطلاعه على تجارب مشابهة في دول أخرى، ساعدته في تحويل الفكرة من مجرد تصور نظري إلى تجربة عملية قابلة للتطوير.

تحديات التصنيع

واجهت التجربة منذ بدايتها تحديات تقنية تتعلق بطريقة صهر البلاستيك، إذ ينتج عن العملية غازات قابلة للاشتعال وقد تشكل خطراً على العاملين إذا لم تتوفر إجراءات السلامة اللازمة.

ويؤكد عبيد أن أخطر العقبات كانت الانبعاثات الناتجة عن صهر البلاستيك، موضحاً أن التعامل معها يتطلب توفير وسائل حماية للعاملين، إضافة إلى استخدام فلاتر كربونية تحد من الأثر البيئي في حال الانتقال إلى الإنتاج الواسع.

ويضيف أن جميع أنواع البلاستيك يمكن الاستفادة منها ضمن ضوابط السلامة المهنية، بينما تتحلل المواد العضوية الموجودة مع النفايات أثناء عملية الصهر، ولا يبقى لها أي تأثير على المنتج النهائي.

خلطة بديلة

اعتمدت التجربة على استبدال مادة البيتومين المستخدمة في صناعة الأسفلت بالبلاستيك المعاد تدويره، مع خلطه بالركام الناعم والخشن بنسب مدروسة.

ويوضح عبيد أن الخلطة الأولية اعتمدت على 25% من النفايات البلاستيكية مقابل 75% من الركام، وهي نسبة مناسبة لإنتاج طوب أسفلتي يستخدم في الأرصفة والطرق الداخلية، بينما يمكن زيادة نسبة البلاستيك للحصول على منتجات أكثر صلابة تدخل في استخدامات أخرى مثل أغطية المناهل وبعض عناصر البنية التحتية.

ويشير إلى أن التجربة لا تزال في مراحلها الأولى، ولم تخضع بعد لفحوصات مخبرية متخصصة، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أن المنتج يمتلك قدرة تحمل جيدة تؤهله للاستخدام في العديد من التطبيقات غير الإنشائية.

خصائص واعدة

ويرى عبيد أن أبرز مزايا المنتج تتمثل في مقاومته للمياه، إذ يغلف البلاستيك المصهور حبيبات الركام ويمنحها عزلاً يمنع امتصاص الرطوبة، كما يصبح المنتج خاملاً كيميائياً بعد انتهاء التصنيع، فلا تصدر عنه أي انبعاثات أو روائح ضارة.

ويبين أن الاستخدام الحالي للطوب يقتصر على القواطع الداخلية والخارجية، ولا ينصح باستخدامه في الجدران الحاملة أو الاستنادية في صورته الحالية، إلا أن تطوير نسب الخلط قد يفتح المجال مستقبلاً أمام استخدامات إنشائية أوسع.

وتأتي هذه المحاولات في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أعقد أزمات البناء في تاريخه، بعدما دمرت حرب الإبادة الإسرائيلية أحياءً كاملة وخلفت ملايين الأطنان من الركام، في حين لا تزال القيود المفروضة على إدخال الإسمنت ومواد البناء تعرقل عمليات إعادة الإعمار، وتؤخر ترميم المنازل والمنشآت المدمرة.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد أهمية المبادرات المحلية التي تبحث عن بدائل تعتمد على الموارد المتوفرة داخل القطاع، ليس بهدف الاستغناء الكامل عن الإسمنت، وإنما لتوفير حلول عملية لبعض الاحتياجات الملحة، وتقليل حجم النفايات التي أصبحت تشكل تحدياً بيئياً وصحياً متفاقماً.

ورغم أن تجربة المهندس محمود عبيد لا تزال بحاجة إلى المزيد من الاختبارات والدعم الفني، فإنها تقدم نموذجاً لكيفية تحويل مخلفات الحرب إلى فرصة للإنتاج، وتؤكد أن الابتكار قد يولد حتى في أكثر البيئات قسوة، عندما تتحول الحاجة إلى دافع للبحث عن حلول جديدة تعيد للركام قيمة، وللنفايات وظيفة، وللمجتمع جزءاً من قدرته على الصمود.

اخبار ذات صلة