تتوالى القرارات الاستيطانية في الأراضي المحتلة، في سياق مخططات ضخمة تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى حصار القدس المحتلة، وخنق الفلسطينيين داخلها. وفي الأسبوع الماضي برز قراران استيطانيان في القدس المحتلة، وعلى الرغم من المسافة الجغرافية بينهما، إلا أنهما، في حقيقة الأمر، يشكلان وجهين لمشروع واحد، يسعى إلى إحكام الطوق حول المدينة المحتلة من شمالها الغربي وشرقها في آنٍ معًا. فالأول يتمثل في تحويل مستوطنة "جفعات زئيف" من مجلس محلي إلى مدينة رسمية، أما الثاني فيتمثل في المصادقة على إقامة مستوطنة جديدة تضم نحو 450 وحدة سكنية بين حي "أم ليسون" وجبل المكبر شرقي القدس.
ومن خلال استقراء آثار هذه القرارات وسيرورة الاستيطان في الأراضي المحتلة في الأعوام الماضية، تتكشف صورة أوسع لسياسة استيطانية تتقدم على مسارين متوازيين: تكريس ما هو قائم وتوسيعه من جهة، وابتلاع ما تبقى من مساحات فلسطينية داخل النسيج الحضري للقدس من جهة أخرى.
"جفعات زئيف".. من مجلس محلي إلى مدينة
خلال الأسبوع الماضي، كشفت مصادر عبرية أن قائد المنطقة الوسطى في جيش الكيان، أفي بلوت، وقع أمرًا بتغيير توصيف مستوطنة "جفعات زئيف" إلى مدينة، مشيرةً إلى أنها ستكون المدينة الخامسة في الضفة الغربية. وتقع المستوطنة على أراضي الفلسطينيين شمال غربي القدس المحتلة، ويشير القرار إلى تحول المستوطنة من مجلس محلي إلى مدينة رسمية. ويترتب على هذا القرار توسيع الصلاحيات الإدارية للمستوطنة، ورفع سقف المخصصات والميزانيات الحكومية المخصصة لها.
وتنعكس هذه الزيادة المالية والإدارية بشكل مباشر على تسريع وتيرة مشاريع البناء الاستيطاني داخل "جفعات زئيف"، وهو ما سيفتح المجال أمام المستوطنة لاستقطاب موجات جديدة من المستوطنين. وقد وصف رئيس بلدية "جفعات زئيف"، يوسي أسراف، هذه الخطوة بأنها "لحظة تاريخية" ستسهم في تعزيز النمو وتطوير الخدمات داخل المستوطنة التي يقطنها حاليًا أكثر من 35 ألف مستوطن، ما يشير إلى معركة ديموغرافية أوسع تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى رفع أعداد المستوطنين في محيط القدس المحتلة.
مستوطنة جديدة في قلب الشطر الشرقي من القدس
في موازاة ذلك، وخلال الأيام الماضية، تكشفت المعطيات عن مخطط استيطاني جديد داخل الشطر الشرقي من القدس المحتلة، حيث صادقت ما تسمى "اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء" التابعة لبلدية الاحتلال على إيداع مخطط لإقامة نحو 450 وحدة سكنية استيطانية في حي "أم ليسون" الفلسطيني، الواقع بين قريتي أم ليسون وجبل المكبر.
وبحسب مصادر فلسطينية، يضم الحي نحو 800 وحدة سكنية فلسطينية، معظمها مبانٍ من طابقين أو ثلاثة، بينما ينص المخطط الجديد على تشييد مبانٍ استيطانية يصل ارتفاعها إلى عشر طبقات، في قلب المنطقة الفلسطينية. ويقوم على المشروع شركة عقارية إسرائيلية يديرها يميني متطرف.
وخلال السنوات الماضية، كثفت أذرع الاحتلال من إقرار المشاريع الاستيطانية التي تضم أبنيةً ذات طبقات متعددة، في محاولة لاستيعاب المزيد من المستوطنين من جهة، وفي محاولة لكسب هيمنة بصرية من خلال التفاوت الكبير في الارتفاع والكثافة السكانية من جهة أخرى، وهو ما سينعكس على حجم التوسع الاستيطاني في هذه المناطق، والسماح بإقامة أكبر حي استيطاني داخل الأحياء الفلسطينية. ولا شك أن التغلغل الاستيطاني الفج في قلب المناطق الفلسطينية هو محاولة لترهيب الفلسطينيين، إذ يترافق الوجود الاستيطاني بمزيد من القيود على السكان وتنقلاتهم، إلى جانب العدوان المستمر عليهم.
مآلات مشتركة للمشروعين
على الرغم من اختلاف الموقعين وتفاصيل هذه المخططات، إلا أنهما يلتقيان عند نقاط جوهرية، نسلط الضوء على أبرزها في النقاط الآتية:
تعميق الطوق الاستيطاني على القدس: تقع "جفعات زئيف" ضمن سلسلة المستوطنات التي تفصل القدس المحتلة عن امتدادها الجغرافي في الضفة الغربية شمالًا وغربًا، بينما يعمل مخطط "أم ليسون" على ترسيخ التواصل الاستيطاني داخل الشطر الشرقي نفسه، ما يعني إحكام الطوق من جهتين.
تشريع الأمر الواقع: تأتي هذه القرارات في سياق إقرار أمر واقع استيطاني يضيّق على الفلسطينيين، ويعرقل وجودهم.
مصادرة الأرض والعبث بديموغرافيا القدس: يستدعي كلٌّ من هذين المشروعين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مزيدًا من مصادرة الأراضي الفلسطينية المجاورة، في إطار معركة ديموغرافية تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى تعظيم أعداد المستوطنين على حساب السكان الفلسطينيين. ولا يمكن فهم هذين القرارين بمعزل عن المخططات الاستيطانية الكبرى، التي تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، والتمهيد لمخططات القدس الكبرى، وصولًا إلى تحقيق التفوق الاستيطاني البشري، وتحويل الفلسطينيين إلى كتلة بشرية هامشية غير قادرة على التأثير أو الفعل أو المواجهة.
أخيرًا، من خلال استقراء هذه المشاريع الاستيطانية الأخيرة، وسيرورة الاستيطان في القدس المحتلة في السنوات الماضية، يمكننا الحديث عن استراتيجية مزدوجة تعمل على جبهتين بشكل متوازٍ؛ الجبهة الأولى: تعزيز البنية الإدارية والمالية للمستوطنات الكبرى القائمة لتثبيت وجودها القانوني، وتوسيعها عبر مختلف أدوات الدعم الرسمية لدى الكيان. أما الجبهة الثانية، فتتمثل في زرع كتل استيطانية جديدة داخل الأحياء الفلسطينية لتفتيت تواصلها العمراني والديموغرافي.
وما بين هذين المسارين، تتقلص مساحة الوجود السكاني الفلسطيني، في ظل القيود الضخمة التي تفرضها سلطات الاحتلال على البناء والسكان، وغياب أي دعم سياسي ومادي للفلسطينيين في مواجهة هذه المشاريع الاستيطانية الضخمة والمتتالية، ما يعني أن استمرار الاحتلال في هذين المسارين سيشجعه على المضي في مسار ثالث، يتمثل في تهجير الفلسطينيين وطردهم.

