فلسطين أون لاين

خيوط الأمل وسط الركام.. نساء غزة يحوّلن الخياطة إلى طريق للنجاة والعمل

...
نساء غزة يحوّلن الخياطة إلى طريق للنجاة والعمل
غزة/ مريم الشوبكي:

بين هدير ماكينات الخياطة الذي يبدد صمت المكان، وحركة الأيدي التي تتنقل بين الإبر والخيوط وقطع القماش، تنسج نساء في غزة أكثر من مجرد ملابس؛ يحاولن حياكة فرصة جديدة للحياة، واستعادة أحلام أوقفتها سنوات الحرب القاسية.

داخل مشغل الخياطة والتفصيل التابع لجمعية الاتحاد النسائي الفلسطيني في مدينة غزة، تنشغل المتدربات برسم الباترونات، وأخذ القياسات، وقص الأقمشة بعناية، في رحلة تعلم لا تهدف فقط إلى اكتساب مهارة مهنية، بل إلى استعادة ما فقدنه من تعليم وفرص عمل ومصادر دخل بفعل الحرب.

ثلاث سنوات مؤجلة

بين المتدربات تجلس إيمان المنسي (24 عامًا)، النازحة من حي الشجاعية والمقيمة حاليًا في شارع عمر المختار بمدينة غزة، منهمكة في أخذ قياسات إحدى القطع التدريبية، قبل أن تعود إلى ماكينة الخياطة لتتقن خطواتها الأولى في مهنة تأمل أن تصبح مستقبلًا مصدر رزق لها.

تقول المنسي إن الحرب لم تقتصر خسائرها على فقدان المنزل، بل امتدت لتطال مسيرتها التعليمية وأحلامها المستقبلية.

WhatsApp Image 2026-07-12 at 7.21.51 PM.jpeg
 

وتوضح لصحيفة "فلسطين": "الحرب أخذت بيتي، وأخذت المكان الذي كنت أشعر فيه بالراحة، وأخذت أحلامي وطموحاتي، كما أخذت ثلاث سنوات من عمري كان من المفترض أن أكمل خلالها تعليمي الجامعي، لكنني قررت ألا أبقى واقفة في مكاني، فالإنسان يجب أن يطور نفسه مهما كانت الظروف".

وتضيف أن التحاقها بدورة الخياطة جاء انطلاقًا من رغبتها في امتلاك مهنة تساعدها على إعالة نفسها وأسرتها، قائلة: "أردت أن أساعد نفسي وأهلي، وألا أكون عبئًا عليهم، لذلك توجهت إلى التدريب المهني حتى أتمكن من العمل والإنتاج".

مشروع صغير وسط الحصار

لم تنتظر المنسي انتهاء الدورة التدريبية لبدء تجربتها العملية، إذ تمكنت من شراء ماكينة خياطة بسيطة على نفقتها الخاصة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وبدأت في تنفيذ بعض الأعمال للجيران والأصدقاء لتوفير احتياجاتها اليومية.

وتقول: "حاولت أن أبدأ بما هو متاح، فاشتريت ماكينة بسيطة، وفي ظل الغلاء الكبير اشتريت بعض الأقمشة والخيوط والإبر، وبدأت أخيط للجيران والأصدقاء حتى أوفر مصروفي الشخصي واليومي".

لكنها تشير إلى أن استمرار هذا المشروع ليس سهلًا، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الخياطة، وأزمة الكهرباء، ونقص المواد الخام.

WhatsApp Image 2026-07-12 at 7.21.50 PM.jpeg
 

وتضيف: "بكرة الخيط التي كنت أشتريها بخمسة شواكل أصبحت اليوم بخمسين شيكلًا وأكثر، والإبرة التي كانت بشيكل أصبحت بثلاثة شواكل، كما ارتفعت أسعار الأقمشة وأدوات الخياطة بشكل كبير، وأحيانًا نحتاج إلى نوع معين من القماش أو الأدوات ولا نجده في الأسواق".

ورغم هذه الصعوبات، تؤكد المنسي تمسكها بمواصلة التعلم والعمل، على أمل أن تتحسن الظروف وتتمكن من تطوير مشروعها الصغير.

تعلم المهنة من الصفر

بدورها، توضح مدربة الخياطة في الجمعية إلهام الجوجو أن الحرب دفعت كثيرًا من الفتيات إلى تغيير أولوياتهن، فبعد أن كانت طموحاتهن تتركز في استكمال الدراسة الجامعية أو الحصول على وظائف، أصبحن يبحثن عن مهن توفر لهن قدرًا من الاستقلال الاقتصادي.

وتقول الجوجو إن المشغل كان يستقبل قبل الحرب نحو خمسين متدربة، إلا أن ظروف النزوح وصعوبة التنقل أثرت بشكل كبير على أعداد الملتحقات، ليتراجع العدد حاليًا إلى نحو عشرين متدربة.

وتشير إلى أن الدورة التدريبية تمتد لشهرين، بواقع ثلاثة أيام أسبوعيًا، ولمدة ساعتين في اليوم، حيث تبدأ بتعليم المتدربات أساسيات رسم الباترون، وأخذ القياسات، وقص القماش، ثم التفصيل والخياطة، وصولًا إلى إنتاج قطع ملابس جاهزة قابلة للاستخدام أو التسويق.

WhatsApp Image 2026-07-12 at 7.21.49 PM.jpeg
 

وأكدت أن كثيرًا من المتدربات فقدن منازلهن أو توقفت دراستهن بسبب الحرب، لذلك يسعين إلى تعلم مهنة تمكنهن من بناء مستقبل جديد، مشيرة إلى أن الجمعية تواصل استقبال الفتيات الراغبات في تعلم الخياطة والتفصيل وتمكينهن من امتلاك مصدر دخل في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وبين المقصات التي ترسم حدود الأقمشة، والإبر التي تثبت أولى الغرز، تحاول نساء جمعية الاتحاد النسائي الفلسطيني في غزة ترميم ما هدمته الحرب. فكل قطعة تُخاط تحمل قصة نزوح أو دراسة توقفت أو حلم تأجل، لكن خلف كل خيط إيمان بأن بداية جديدة لا تزال ممكنة، مهما اشتدت الظروف.

WhatsApp Image 2026-07-12 at 7.21.48 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين