في الدوحة أُعلن نبأ وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وفي فلسطين بلغ الحزن مداه في عيون وقلوب شعب عرفه في تفاصيل حياته اليومية وقضيته المصيرية.
ذاك أميرٌ قطري نقش اسمه في قرى ومدن فلسطين، لم يستتر وراء عرشه بعيدًا عنها، ولم يختفِ في قصرٍ لا يسمع أنين الناس، بل ارتبط اسمه بمواقف ومشاريع وصلت إلى حياة الفلسطينيين، من إعادة إعمار البيوت التي هدمها الاحتلال، إلى دعم غزة في سنوات الحصار والألم.
يتمدد الحزن على رحيله في الشارع الفلسطيني، بقدر ما مدّد هو الفرح في قلوب الفلسطينيين، وتندفع كلماتهم في رثائه... بطلا، سمعوا صوته وهو يصدح عاليا في قول كلمة حق أمام مجتمع دولي جائر.
كان الاحتلال يريد لغزة أن تكون أكبر سجن مفتوح في العالم، لا يُسجن فيه الإنسان الغزي فقط، بل أحلامه وطموحاته في وطن حر. بينما كنت أكبر في ذلك المكان المحاصر، أحمل أحلام جيلٍ يبحث عن فرصة للحياة في بلاده.
لذلك لم تكن زيارة الأمير الوالد مجرد زيارة لمسؤول عربي، كما لم تكن مشاهد استقباله مجرد لحظة بروتوكولية؛ فقد شعر كثير من الغزيين حينها أن جدار العزلة الذي فُرض عليهم لسنوات قد تعرّض لصدع، وأن غزة التي أُريد لها أن تُنسى، وجدت من يصل إليها ويحمل رسالتها.
بقيت تلك الزيارة في الذاكرة الفلسطينية باعتبارها محطة فارقة، ليس فقط بما حملته من مشاريع إعمار، بل بما حملته من معنى: أن غزة ليست وحدها.
وفي خانيونس ورغم حرب الإبادة التي دمرت معظم مقدرات قطاع غزة، يذكره أهالي مدينة الشيخ حمد السكنية، وهي أحد أكبر المشاريع الإسكانية التي منحت آلاف الأسر التي فقدت منازلها مكانًا تعود إليه، كما يستحضر بصماته الغزيون على امتداد القطاع في شارعي صلاح الدين والرشيد، باعتبارهما الشريانين الرئيسيين اللذين يربطان شماله بجنوبه.
وفي مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية، كان هذا المشروع بارقة أمل لآلاف الجرحى وذوي الإعاقات، وأصبح أحد أبرز المراكز الطبية المتخصصة في المنطقة.
وعلى امتداد فلسطين التي يئن أهلها تحت الاحتلال، كان صوت الأمير الوالد هو صوتهم... الذي دافع عن قضيتهم في خطاباته ومواقفه السياسية على امتداد سنوات حكمه، مؤكدا باستمرار أن فلسطين هي القضية المركزية للأمة، ومحذرا من استمرار معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال والاستيطان وسياسات التهجير والتهويد.
كان في نظر الفلسطينيين قائدا اقترب من وجع الفلاح المهدد في أرضه، والأرملة التي فقدت زوجها، والطفل الذي كبر على وقع الحروب، والوطن الذي يريد أن يتحرر من احتلال طويل.
فرض الحزن نفسه على ملامح هؤلاء برحيله، وبفقدهم يدًا حانية كانت تمتد إليهم، وتؤنس وحشتهم في سنوات القسوة والحصار. واكتست أيضًا كلمات الفلسطينيين في مواقع التواصل الاجتماعي بمشاعر الوفاء والاستذكار، واستعادت صورا ومواقف بقيت عالقة في ذاكرتهم عن رجل رأوا فيه سندًا لفلسطين وغزة في أصعب مراحلها.
كتب أحد النشطاء: "لن ننساك ولن ننسى وقفتك معنا في أحلك الظروف..."، فيما لخّص آخرون مشاعرهم بالقول: "وقف مع غزة عندما خذلها كثيرون".
قد يرحل القادة عن مواقعهم، وتتغير الأيام والمواقف، لكن ذاكرة الشعوب لا تحفظ إلا من اقترب من وجعها في لحظات الشدة. وفي فلسطين، حيث تُختبر المواقف تحت وطأة الاحتلال والحصار والحروب، بقي اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مرتبطًا بصورة رجل رأى في فلسطين قضية حاضرة، وشعبا يستحق أن يُسمع صوته.
ومن تبكيه فلسطين... فقد ترك أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان.