أطلق ممثلو مؤسسات القطاع الخاص في قطاع غزة تحذيرًا من اقتراب الاقتصاد المحلي من مرحلة الانهيار الشامل، مع استمرار القيود المفروضة على حركة البضائع والمواد الخام، وتداعيات الحرب التي شلت معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية. ودعوا إلى تحرك دولي عاجل لإطلاق خطة إنقاذ اقتصادية، تبدأ برفع القيود عن إدخال السلع والمعدات، وتوفير مقومات إعادة الإعمار، بما يضمن إعادة تشغيل المنشآت المتوقفة واستعادة عجلة الإنتاج.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية في قطاع غزة بلغت نحو 30 مليار دولار، فيما تجاوزت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي 50 مليار دولار، وسط انكماش اقتصادي غير مسبوق تجاوز 80% خلال العام الماضي.
وأكد ممثلو القطاع الخاص أن إنعاش الاقتصاد يتطلب رفع القيود المفروضة على إدخال السلع والخدمات والآليات والمعدات، بما يسمح بإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية المتوقفة قسرًا، إلى جانب توفير الكهرباء، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والسماح بإدخال قطع الغيار اللازمة لتشغيل الآليات والمركبات.
اقتصاد على حافة الانهيار
وقال رجل الصناعة علي الحايك إن الواقع الاقتصادي في قطاع غزة "تجاوز كل حدود الوصف"، مؤكدًا أن ما تبقى من المنشآت الاقتصادية بات على وشك التوقف الكامل.
وأضاف الحايك لصحيفة "فلسطين" أن استمرار الأوضاع الحالية سيقود إلى انهيار شامل في مختلف القطاعات، بما يعني فقدان آلاف فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، التي تجاوزت بالفعل 50%، فضلًا عن تفاقم الأزمات المالية التي تواجه أصحاب المنشآت بسبب تراكم الديون والشيكات المرتجعة.
وأوضح الحايك أن التعافي الاقتصادي لا يقتصر على إعادة تشغيل المصانع، بل يتطلب توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، وتأمين التمويل اللازم للمشروعات الإنتاجية، في ظل تراجع القدرة الشرائية للسكان إلى مستويات غير مسبوقة.
ودعا إلى عقد مؤتمر دولي عاجل للمانحين، وتمكينهم من الوصول إلى قطاع غزة للاطلاع على حجم الدمار، مؤكدًا ترحيب القطاع الخاص بجميع المبادرات الرامية إلى إنقاذ الاقتصاد، ولا سيما من المستثمرين العرب والجهات الداعمة للشعب الفلسطيني.
كما شدد على أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90% من إجمالي المنشآت الاقتصادية، باعتبارها المحرك الرئيس للنمو، إلى جانب الاستثمار في تدريب وتأهيل العمالة المحلية بما يواكب التطورات الصناعية والتكنولوجية.
شلل في قطاع الإنشاءات
من جانبه، قال أمين سر اتحاد الصناعات الإنشائية محمد العصار إن قطاع الإنشاءات يشهد شللًا شبه كامل بسبب النقص الحاد في الإسمنت، الذي يمثل المادة الأساسية لعمليات إعادة الإعمار.
وأوضح العصار لـ"فلسطين "أن استمرار منع إدخال الإسمنت يعطل إعادة بناء آلاف المنازل والمنشآت المدمرة، ويلحق أضرارًا مباشرة بعشرات الصناعات المرتبطة بقطاع البناء.
وأشار إلى أن مصانع البلوك كانت تمثل قبل الحرب نحو 63.5% من إجمالي منشآت الصناعات الإنشائية، تليها مصانع الرخام بنسبة 30%، فيما توزعت النسبة المتبقية على صناعات الباطون والبلاط والأسفلت، ما يعكس حجم الخسائر التي تعرض لها هذا القطاع الحيوي.
وأكد أن إعادة تنشيط قطاع الإنشاءات تمثل مدخلًا رئيسًا لتعافي الاقتصاد، نظرًا لارتباطه الوثيق بعشرات الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وقدرته على توفير آلاف فرص العمل.
تعويضات وإعادة فتح الأسواق
بدوره، طالب رئيس اتحاد الصناعات الخشبية السابق وضاح بسيسو بالإسراع في صرف التعويضات المالية للقطاع الخاص عن الأضرار التي لحقت بمنشآته، مؤكدًا أن استمرار تأخيرها يعمق الأزمة الاقتصادية ويؤخر التعافي.
ودعا إلى التوصل لتفاهمات إقليمية ودولية تتيح فتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات الفلسطينية، وتعزيز حركة التبادل التجاري، في ظل محدودية السوق المحلية وتراجع القوة الشرائية.
وأكد لـ"فلسطين"، أن القطاع الخاص أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على الإنتاج وتحقيق مستويات من الاكتفاء الذاتي رغم الحصار، إلا أن استمرار القيود على إدخال المواد الخام والمعدات، ولا سيما المصنفة ضمن "مزدوجة الاستخدام"، بات يهدد بقاء العديد من الصناعات.
وأضاف أن التطور الصناعي العالمي يعتمد اليوم على التكنولوجيا، في حين ما تزال غزة تعاني أزمة كهرباء مزمنة منذ أكثر من 17 عامًا، إلى جانب القيود المفروضة على خدمات الإنترنت وإدخال التقنيات الحديثة، وهو ما يحد من قدرة الصناعات المحلية على المنافسة.
وأشار إلى أن القطاع الصناعي تكبد خسائر جسيمة جراء الحرب، بعد تدمير عشرات المصانع والمنشآت كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى توقف الإنتاج وفقدان عشرات الآلاف من فرص العمل.
وتشير بيانات اقتصادية إلى أن أكثر من 70% من المنشآت الصناعية توقفت عن العمل، فيما قُدّرت خسائر القطاع الصناعي بمليارات الدولارات، بالتزامن مع تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي.
وشدد بسيسو في ختام حديثه على أن إنقاذ القطاع الخاص يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تبدأ برفع القيود عن حركة البضائع والمواد الخام، وتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة تمكّن القطاع الخاص من استعادة دوره في قيادة النمو الاقتصادي وتحريك عجلة التنمية.

