فلسطين أون لاين

من إسعاف الجرحى إلى الزنازين..

الممرض محمود الزيتونية يروي رحلة عامٍ وسبعة أشهر في سجون الاحتلال

...
الممرض محمود الزيتونية
غزة/ جمال غيث:

لم يحمل الممرض محمود سليم الزيتونية حقيبته الطبية إلى مجمع الشفاء إلا لإنقاذ الجرحى، لكن الحرب قادته إلى رحلة أخرى؛ من ممرات المستشفى التي كانت تعج بالمصابين إلى زنازين الاحتلال التي امتلأت، كما يروي، بالتعذيب والإذلال والإهمال.

وبعد عام وسبعة أشهر من الاعتقال، يخرج الزيتونية ليحكي لصحيفة "فلسطين" تفاصيل تجربة يقول إنها اختزلت أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان بين الخوف والألم وفقدان الحرية.

ينحدر الزيتونية (29 عامًا) من حي الدرج بمدينة غزة، وكان يعمل ممرضًا متطوعًا في مجمع الشفاء الطبي خلال حرب الإبادة، قبل أن يعتقله جيش الاحتلال خلال اقتحام المستشفى في مارس/آذار 2024.

ساحة حرب

في 18 مارس/آذار 2024، تحول مجمع الشفاء الطبي إلى ساحة حرب عقب اقتحام واسع نفذه جيش الاحتلال، ترافق مع إطلاق نار كثيف أدى إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين خلال وقت قصير، بينما كانت الطواقم الطبية تحاول إنقاذ المرضى وجرحى الحرب.

ويقول الزيتونية: "كانت الساعات الأولى كفيلة بتجميد الزمن داخل المستشفى، كل شيء توقف فجأة. لم نعد نفهم ما الذي يحدث، فيما كان قناصة الاحتلال يراقبون النوافذ ويطلقون النار على أي حركة، حتى مجرد النظر إلى الخارج كان مخاطرة قد تنتهي بالموت أو الإصابة".

ويضيف أنه بعد أيام من الحصار، أصدر جيش الاحتلال أوامر عبر مكبرات الصوت بإخلاء المستشفى، فخرج الأطباء والممرضون والنازحون رافعين أيديهم، قبل أن يُفصل الرجال عن النساء، ويُجردوا من ملابسهم وأحذيتهم، ويُجبروا على الجلوس لساعات طويلة في العراء مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين.

ويستحضر الزيتونية تلك اللحظات بصعوبة، قائلاً: "بدأ الجنود ينادون أسماء الموجودين، وبعض من استدعيت أسماؤهم لم يعودوا، وكنا نسمع صرخات تعقبها لحظات صمت ثقيلة".

ويتابع: "بعد ساعات نُقلت مع مجموعات من المعتقلين في عربات عسكرية ثم حافلات، وتعرضنا للضرب والإهانة طوال الطريق، قبل الوصول إلى أحد سجون الاحتلال في محيط قطاع غزة، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة".

ويضيف: "داخل السجن لم يكن هناك ما يشبه الحياة. تعرضنا للعزل، وتقييد الأيدي، وعصب الأعين، وكنا ننام على فرش رقيقة لا تقي من البرد. ورغم كل ذلك، لم يفارقني التفكير بعائلتي وزملائي في المستشفى والمرضى الذين تركناهم خلفنا، دون أن نعرف إن كانوا ما زالوا أحياء أم تعرضوا للقتل".

عذابات لا تنتهي

ومع مرور الأيام، يقول الزيتونية إن الانتهاكات داخل السجن تصاعدت، من اقتحامات ليلية متكررة، وإلقاء قنابل صوت، واستخدام الكلاب، إلى الاعتداء الجماعي على الأسرى دون تمييز بين المرضى وكبار السن، فيما فارق بعض المعتقلين الحياة تحت وطأة ظروف الاعتقال القاسية.

ويضيف: "بعد نحو 90 يومًا نُقلت إلى سجن آخر، وتعرضت خلال النقل للضرب المتواصل والصعق بالكهرباء، كما تعرضت للاعتداء فور وصولي".

ويشير إلى أن الضرب استهدف أنحاء متفرقة من جسده، رغم خضوعه سابقًا لعملية تثبيت شرائح معدنية في العمود الفقري، موضحًا أن المعاناة استمرت داخل السجون بسبب شح الطعام، وقلة المياه، والعزل شبه الكامل عن العالم الخارجي.

ويتابع أن نقله لاحقًا إلى سجن "النقب" شكّل مرحلة أخرى من المعاناة، حيث كانت الخيام مكشوفة للبرد، فيما انتشرت الأمراض الجلدية، وعلى رأسها الجرب، بين الأسرى.

ويصف ليالي سجن النقب بأنها كانت "اختبارًا قاسيًا للجسد والروح"، مضيفًا: "كانت الحكة لا تتوقف، والجروح تتفاقم، والألم يحرمنا النوم، بينما ظل الإهمال الطبي مستمرًا، مع غياب العلاج والرعاية الصحية".

ويؤكد أن أوضاع الأسرى لم تتحسن حتى بعد صفقة التبادل في يناير/كانون الثاني 2025، إذ واصلت إدارة السجون، بحسب روايته، سياسة التنقلات المستمرة بين الأقسام، وفرض قيود جديدة، ومنع الأسرى من الخروج إلى ساحات السجن، إلى جانب تقنين المياه.

قفص حديدي

ويشير الزيتونية إلى أن الأسرى في أحد الأقسام كانوا يُجبرون على الجلوس لساعات طويلة على ركبهم داخل قفص حديدي مغلق، فيما كانت عمليات الاقتحام والاعتداء على الغرف والخيام تتكرر بصورة مفاجئة.

ويقول: "ما إن ينتهي الاعتداء حتى نبدأ الاستعداد للضربة التالية".

ويضيف أنه مع حلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، ازدادت إجراءات التشديد داخل السجن، ومنعت إدارة السجون "الفورة"، قبل أن تبدأ بمناداة أسماء عدد من الأسرى لنقلهم إلى جهات مجهولة.

ويتابع: "في العاشر من الشهر ذاته، نُقلت إلى قسم جديد، وبعد أيام دخلت موظفة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأبلغتنا بوجود صفقة تبادل كبيرة. في البداية لم أصدق، لكن مع مرور الوقت بدأت ملامح الفرج ترتسم على وجوه الأسرى".

ويختم روايته قائلاً: "بعد أيام تحركت الحافلات، وبعد ساعات طويلة من الإجراءات تسلمتنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتنتهي رحلة اعتقال امتدت عامًا وسبعة أشهر، خرجت بعدها بجسد منهك، لكن بذاكرة ما تزال تحتفظ بكل تفاصيل السجن وما شهدته من انتهاكات".

واليوم، لا يستعيد الزيتونية تجربته بوصفها ذكرى شخصية فحسب، بل باعتبارها شهادة على ما عاشته الطواقم الطبية الفلسطينية التي وجدت نفسها، خلال الحرب، بين مهمة إنقاذ الأرواح وواقع الاعتقال، حيث تحولت غرف الطوارئ إلى بوابة نحو السجون، وأصبحت مهنة إنقاذ الحياة طريقًا إلى تجربة قاسية من القيد والمعاناة.

المصدر / فلسطين أون لاين