لم يكن الدكتور رأفت لبد يرى الطب وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل رسالة تبدأ مع كل مريض يدخل المستشفى. كان يؤمن بأن الطبيب لا يُقاس بعدد العمليات التي يجريها أو الشهادات التي يحملها، وإنما بقدرته على أن يخفف ألم إنسان ويمنحه أملًا بالحياة.
لهذا، لم يغادر موقعه عندما تحولت مستشفيات غزة إلى ساحات تعج بالجرحى، ولم يتراجع رغم الغارات المتلاحقة ونقص الإمكانات والخطر الذي أحاط بالطواقم الطبية. ظل يؤدي واجبه كما اعتاد دائمًا، إلى أن أنهى قصف إسرائيلي رحلته، لتفقد غزة واحدًا من أبرز أطبائها وأساتذة الطب.
وُلد رأفت لبد في مدينة غزة عام 1972، وكان أبًا لولدين وخمس بنات. حمل حلم دراسة الطب منذ شبابه، فالتحق بجامعة العرب في مدينة بنغازي الليبية، حيث نال شهادة الطب، ثم تخصص في الطب الباطني، قبل أن يعود إلى قطاع غزة عام 2011، بعد سنوات من الدراسة والعمل، حاملًا معه خبرة علمية ورؤية تقوم على أن المعرفة لا تكتمل إلا إذا وُضعت في خدمة الناس.
ومنذ عودته، انخرط في تطوير القطاع الصحي، وتولى لاحقًا إدارة مستشفى حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية، كما عمل أستاذًا ومحاضرًا في كلية الطب بجامعتي الأزهر والإسلامية، حيث أشرف على تدريب مئات الطلبة والأطباء الشباب.
داخل قاعات التدريس، لم يكن يكتفي بشرح المراجع الطبية، بل كان يغرس في طلابه معنى المسؤولية. كان يحثهم على التفكير والبحث، ويؤكد أن الطبيب الحقيقي هو من يجمع بين المعرفة والرحمة، وأن أخلاقيات المهنة لا تقل أهمية عن المهارة الطبية.
وكان يردد أمام طلابه عبارة أصبحت جزءًا من سيرته: "خدمة المرضى وإعداد الأبحاث العلمية طريق من طرق عبادة الله"، في حين كان يوصي زملاءه دائمًا: "عندما تدخل المستشفى، اجعل نيتك كما لو أنك تبدأ صلاة، فيصبح العمل عبادة".
أما مرضاه، فلم يعرفوه بصفته مديرًا أو أستاذًا جامعيًا، بل طبيبًا هادئًا، واسع الصدر، يحرص على الاستماع قبل أن يتحدث، ويولي كبار السن اهتمامًا خاصًا، مؤمنًا بأن الكلمة الطيبة جزء من العلاج.
وإلى جانب عمله الطبي، كان شغوفًا بتطوير المؤسسات الصحية، فساهم في إعداد أنظمة إدارية هدفت إلى تحسين جودة الخدمات، وشجع البحث العلمي، وفتح المجال أمام الأطباء الشباب لتحمل المسؤولية، إيمانًا منه بأن بناء الإنسان هو الطريق لبناء مؤسسة قوية.
ومع اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ازدادت المسؤوليات على عاتقه. فبينما كانت الطواقم الطبية تعمل تحت القصف، واصل الدكتور لبد حضوره اليومي إلى المستشفى، رغم المخاطر وإغلاق الطرق.
وخلال إحدى الغارات، أصيب في قدمه نتيجة حالة تدافع داخل المستشفى، لكنه رفض أن تكون الإصابة سببًا لترك عمله، واستمر في الوصول إلى المستشفى حتى عبر سيارات الإسعاف، لأن المرضى، بالنسبة إليه، كانوا أولوية لا يمكن التخلي عنها.
وبعد أشهر من الحرب، قرر برفقة شقيقه العودة إلى منزله للاطمئنان عليه. لم تكن زيارة طويلة، لكنها كانت الأخيرة.
استهدف الاحتلال المنزل بقصف مباشر، ما أدى إلى استشهاد زوجته وثلاث من بناته وعدد من أفراد عائلته، فيما أُصيب هو بجروح خطيرة.
وبسبب خطورة الأوضاع الميدانية وتعذر وصول طواقم الإسعاف، بقي ينزف حتى استشهد متأثرًا بإصاباته في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
ولم يُعثر على جثمانه إلا بعد نحو سبعة أشهر، ليُدفن أخيرًا في المدينة التي اختار أن يكرس عمره لخدمة أهلها، بعدما أمضى سنوات طويلة يعالج مرضاها، ويعلّم أبناءها، ويؤمن بأن مهنة الطب رسالة قبل أن تكون وظيفة.
رحل رأفت لبد، لكن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة كل من عرفه؛ في مرضى وجدوا فيه طبيبًا قريبًا منهم، وفي طلاب رأوا فيه معلمًا قبل أن يكون أستاذًا، وفي زملاء عرفوا فيه قائدًا يقدّم القدوة بالفعل لا بالكلمات.
وفي وقت فقد فيه القطاع الصحي عشرات من كوادره خلال الحرب، تبقى قصة الدكتور رأفت لبد شاهدًا على الثمن الباهظ الذي دفعه الأطباء في غزة، وهم يؤدون رسالتهم الإنسانية تحت القصف، متمسكين بقسم المهنة حتى اللحظة الأخيرة