لم يعد النزوح في منطقة المواصي غرب خان يونس ينتهي بإقامة خيمة جديدة، بل يبدأ معه فصل آخر من التشريد. فمع كل غارة إسرائيلية تستهدف مخيمًا مكتظًا بالنازحين، تُحرق عشرات الخيام، وتفقد العائلات ما تبقى من ممتلكاتها، لتجد نفسها مضطرة إلى النزوح من جديد داخل المساحة التي طالما رُوِّج لها أنها "منطقة آمنة". يقول حقوقيون إن تكرار استهداف المخيمات المكتظة يكشف عن نمط متصاعد يهدف إلى إحداث موجات نزوح متتالية، وتقويض أي شعور بالأمان لدى مئات آلاف النازحين.
وتواصل قوات الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار عبر استهداف منطقة المواصي بصورة متكررة، إذ وثق المكتب الإعلامي الحكومي أكثر من 241 استهدافًا للمنطقة، في مؤشر يؤكد سقوط مزاعم اعتبارها "منطقة آمنة" أمام واقع ميداني يلاحق المدنيين بالقصف أينما لجؤوا.
وكان من أبرز تلك الهجمات قصف مخيم إيواء يضم نحو 350 عائلة في 29 يونيو/حزيران 2026، حيث امتدت آثار الانفجار لمئات الأمتار، ما أدى إلى احتراق وتمزق أكثر من 130 خيمة، في حين لا تزال العائلات المتضررة تعاني فقدان المأوى والأمتعة ومستلزمات الحياة الأساسية.
مهلة الـ15 دقيقة
يروي رأفت المغاري، أحد سكان المخيم الذي فقد خيمتين خلال القصف: "أبلغنا بالإخلاء قبل القصف بنحو 15 دقيقة فقط. خرج الجميع دون أن يحملوا أي شيء، وكأن الهدف هو تشريد الناس وتعميق معاناتهم. كان الوقت قرابة التاسعة والنصف مساءً، وكانت عائلات كاملة، بينها أطفال، نائمة داخل الخيام. لا يمكن وصف مشهد البكاء والصراخ والفوضى التي سبقت القصف".
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "بعد سقوط الصاروخ اشتعلت النيران خلال ثوانٍ، وأحرقت عشرات الخيام. وعندما تمكنت طواقم الدفاع المدني من إخماد الحريق، اكتشفت أن خيمتَيّ احترقتا بالكامل، كما فقدت بسطتي التي كنت أعتاش منها".
وفي صباح اليوم التالي، بدت آثار الكارثة أوضح؛ خيام ممزقة على امتداد المخيم، وأغراض متناثرة، وبقايا مواد غذائية كانت العائلات تحتفظ بها لمواجهة المجاعة.
ويقول المغاري إنه حمل معه عند نزوحه من رفح آخر ما تبقى من مقتنياته، إلا أنه فقدها جميعًا في القصف الأخير، مشيرًا إلى أن شدة الانفجار جعلته يعتقد أن الاحتلال استخدم "برميلًا متفجرًا".
ورغم الدمار الذي لحق بالمخيم، لم تغادر معظم العائلات المكان، لعدم وجود أي منطقة أكثر أمانًا داخل المواصي.
ويقول المغاري: "أُعيد تجريف الأرض، ونُصبت خيام جديدة مكان المحترقة، لكن الحياة أصبحت أصعب بكثير. التعويضات التي تلقيناها لا تمثل حتى 1% مما فقدناه، خاصة أننا نزحنا من رفح بلا ممتلكات، ولا نملك أي مصدر دخل".
وفي القصف ذاته، استشهدت الطفلة الرضيعة سوار أبو دراز (عام واحد)، بعد إصابتها بشظايا الصاروخ، كما استشهدت والدتها، وكانتا في زيارة للمخيم وقت الاستهداف.
ويرى سكان أن الاحتلال بات يعتمد نمطًا جديدًا في تشريد النازحين، يقوم على استهداف أهداف داخل أو بمحاذاة التجمعات المكتظة بالخيام، بعد إصدار أوامر إخلاء قصيرة، ما يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وخسائر واسعة في مساكن النازحين وممتلكاتهم.
ويبرز هذا النمط في استهداف منزل لعائلة زعرب في المواصي بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2026، إذ ألحق القصف دمارًا واسعًا بعشرات الخيام المحيطة، رغم أن المنطقة تؤوي أعدادًا كبيرة من النازحين الذين لجؤوا إليها بحثًا عن الأمان.
وتُظهر الصور الميدانية خيامًا ممزقة وأخرى متفحمة على مساحة واسعة، فيما تناثرت مقتنيات العائلات في المكان الذي تحول من ملاذ مؤقت إلى ساحة دمار جديدة.
المصطافون تحت القصف
ولم يسلم حتى شاطئ بحر المواصي من الاستهدافات، إذ تحولت اللحظات التي قصد فيها النازحون البحر هربًا من حرارة الخيام إلى مشاهد دامية، بعدما استهدفت قوات الاحتلال مفرق شارع "النص"، ثم استراحة على شاطئ البحر.
ويروي محمود، الذي يقيم في خيمة قرب مفرق شارع "النص"، تفاصيل نجاته وأطفاله من القصف، قائلاً: "كنت قد ابتعدت عشرات الأمتار مع زوجتي للتسوق، وفجأة سمعت الانفجار من جهة خيمتي. عدت مسرعًا وأنا أظن أن أطفالي استشهدوا، لكنني وجدتهم أحياء في حالة صدمة. بعدها بدأت أساعد في إسعاف المصابين، لأن المكان كان مكتظًا بالمارة والسيارات".
كما شهد محمود قصف الاستراحة البحرية، حيث كان عشرات المواطنين يستجمون، قبل أن يسقط صاروخ إسرائيلي على طاولة كان يجلس أمامها مواطنان، وبالقرب منهما سيدة مسنة، ما أدى إلى استشهادهما وإصابة آخرين.
ولا تغيب عن ذاكرته المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في 13 يوليو/تموز 2024، حين استهدف منزلًا تحيط به مخيمات إيواء، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 فلسطيني وإصابة المئات.
ويقول: "كنت أجلس أمام خيمتي عندما دوّت الانفجارات، وارتفعت سحب الدخان حتى غطت السماء، ثم بدأت الشظايا تتطاير في كل اتجاه. وعندما انقشع الغبار رأيت الشهداء والمصابين ملقين في الشوارع، ونجوت بأعجوبة بينما استشهد عدد من جيراني".
أما مها نبهان، التي نزحت إلى شاطئ البحر اعتقادًا بأنه سيكون أكثر أمانًا، فتقول إنها تعيش اليوم تحت تهديد دائم لنيران الزوارق الحربية الإسرائيلية.
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "لا تستطيع الوقوف أمام خيمتك، وتبقى معظم الوقت داخلها خوفًا من الرصاص. أينما تذهب تشعر أن الموت يلاحقك؛ من الطائرات المسيّرة أو الدبابات أو الزوارق البحرية".
ويرى الحقوقي رائد البرش أن استمرار استهداف منطقة المواصي يكشف التناقض الواضح بين الادعاء الإسرائيلي بأنها "منطقة آمنة" وبين الواقع الميداني الذي شهد أكثر من 241 استهدافًا.
وأكد لـ"فلسطين" أن القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المناطق المدنية، ولا سيما تلك التي تضم تجمعات للنازحين أو تتمتع بالحماية، مشددًا على أن مخيمات الإيواء والاستراحات والمرافق المدنية في المواصي تدخل ضمن الأعيان المحمية.
وأوضح أن استهداف هذه المواقع يمثل انتهاكًا جسيمًا لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لما ينطوي عليه من استهداف مباشر للمدنيين ومناطق لجوئهم.

