التاريخ يعيد نفسه، لكن هجرة الفلسطينيين في حرب النكبة عام 1948 لن تتكرر مع الغزيين في حرب الإبادة عام 2023، والمشهد الكوبي لن يحدث مع الغزيين لنزع ثباتهم وكسر صمودهم وتهجيرهم طواعيةً هروبًا من الحرب، وإغرائهم بالعيش بأمن وسلام في الخارج، وإلغاء حق العودة إلى أرض الوطن. فالمؤامرة واضحة وجلية، والشعب الفلسطيني واعٍ للمخططات الخبيثة والمؤامرة العلنية، ولن يترك أرضه وحقوقه ليحقق الأماني الصهيونية الهادفة إلى إفراغ قطاع غزة من أهلها، وإعادة احتلالها، والسيطرة على أراضيها.
الاحتلال يسعى لإحياء خطة "تهجير سكان غزة" تحت مسميات مختلفة، حملت اسم "الحركة الحرة" أو "حرية الاختيار". وهي خطة صهيونية خبيثة عُرفت باسم "الهجرة الطوعية" لسكّان قطاع غزة، عادت مجددًا إلى طاولة النقاش والمفاوضات الإسرائيلية، ولكن هذه المرة مع تغيير المسمى إلى "الحركة الحرة"، وسط انتقادات دولية حادة واجهها كيان الاحتلال باتهامه بمحاولة إيجاد "ترانسفر" (تهجير قسري)، وهو ما دفع دولًا عديدة إلى رفض استقبال الغزيين خوفًا من الملاحقة والمقاطعة الدوليتين. هذه الانتقادات والاتهامات الدولية أحبطت المخطط اليهودي والصهيوني، واعتبرت مصطلح "الهجرة الطوعية" غطاءً لعمليات تهجير قسري للأهالي في قطاع غزة، حيث لجأ الاحتلال إلى تغيير اسم خطته لتصبح "حرية التنقل"، بهدف تخفيف الرفض الدولي وإعادة تسويقها سياسيًا. ويأتي هذا التلاعب بالمصطلحات بعد فشل الاحتلال في إقناع دول باستيعاب سكان قطاع غزة بعد تهجيرهم والتخلص منهم بهدف السيطرة على الأراضي. كما تسعى المنظومة الإسرائيلية حاليًا إلى إعادة تسويق هذه الخطة تحت الغطاء الجديد لشرعنتها دوليًا، ودفع دول عربية وأجنبية للموافقة على استيعاب المهاجرين الغزيين من القطاع، بعد فشل مشاريع التهـ.ـجير القـ.ـسري. محاولات حكومة الاحتلال لتهجير السكان من قطاع غزة لم تتوقف، ولكن الظروف لم تتهيأ بعد لتنفيذ مخطط التهجير. علمًا أن كاتس شكّل مديرية خاصة في الجيش بمخطط الهجرة، ما يعني جدية الفكرة والمخطط، وإغلاق مصر للحدود، وصمود المواطنين، عوامل أفشلت مخططات التهجير الخبيثة، سواء طوعًا أو قسرًا.
خلال عام 1970، أقرت كوبا قانونًا يمنع مواطنيها من الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى لا تجندهم المخابرات الأمريكية في جيش كوبا المعارض والمناوئ لكاسترو آنذاك. وفي عام 1980، حاولت أمريكا إحراج كوبا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" أن أيادي أمريكا مفتوحة لكل الكوبيين، وأنهم سوف يحصلون على رواتب مرتفعة، ومنازل مجانية، و... و... إلخ من الإغراءات الفارغة. فرد الرئيس الكوبي "كاسترو" بأنه جهز 600 قارب عند ميناء هافانا، وقال: من يريد أن يذهب إلى أمريكا فليذهب. واحتشد أكثر من 125,000 مواطن كوبي، وركبوا القوارب متجهين إلى أمريكا، وهنا كانت المفاجأة الفاجعة؛ فقد تفاجأت أمريكا بالحشود الهائلة من المهاجرين الكوبيين، وامتنعت عن استقبالهم، وتركتهم لأسابيع في البحر أمام مرأى ومسمع العالم كله!! وتوفي حينها العشرات، أغلبهم من العجائز والنساء والأطفال، قبل أن يتم وضعهم في ملاجئ جزيرة غوانتانامو الكوبية المحتلة من الأمريكيين. والغريب أنه، وبعد خروجهم من كوبا، انتعش الاقتصاد الكوبي بعد فترة من الركود، وحقق فائضًا تجاريًا كبيرًا رغم الحصار، كذلك تطور قطاعا التعليم والصحة بشكل سريع!! حينها صرح الرئيس الكوبي "فيدل كاسترو"، وقال مقولته الشهيرة بحق المهاجرين: (هؤلاء الديدان، لقد كانوا أمريكيين وهم بيننا)، بينما تعرض الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" لانتقاد شديد بسبب غبائه، وتسبب ذلك في خسارته بالانتخابات الرئاسية، فيما قال خلفه "رونالد ريغان": «لو بقي هؤلاء المهاجرون في كوبا لسقط كاسترو!».
الخلاصة: (في كل وطن، توجد ديدان هم سبب خرابه ونكبته، وخروجهم غالبًا فيه راحة للبلاد والعباد). فالأوطان لأصحابها ومستحقيها، والخائن لا وطن له. والمخلصون من الشعب الفلسطيني، بعد ثلاث سنوات من الحرب والعدوان والقتل والتجويع والحصار والنزوح، لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لهم الهجرة الطوعية خارج بلادنا للعيش في الشتات ومخيمات اللجوء في البلاد الأجنبية، عبر مخطط صهيوني خبيث لإفراغ غزة من شعبها وأهلها، وإعادة احتلالها، وسرقة أراضيها وخيراتها. وكما يقول المثل: «اللي يخرج من داره ينقل مقداره».