فلسطين أون لاين

من بين ركام الحرب.. جميل مقداد يعيد الحياة إلى المصاحف الممزقة بخيوط الصبر

...
مقداد يتحدى إعاقته محولاً طاولته الخشبية إلى ورشة تطوعية لترميم المصاحف الممزقة
غزة/ هدى الدلو:

في أحد أحياء مدينة غزة، يجلس جميل مقداد (71 عامًا) كل صباح خلف طاولته الخشبية الصغيرة، تحيط به عشرات المصاحف القديمة التي مزقتها الحرب أو أرهقتها سنوات الاستخدام، إلى جانب مقص ومنشار صغير وعبوات غراء وقطع من الكرتون المقوى بأحجام مختلفة.

لا يبدو المكان مجرد ورشة لترميم الكتب، بل مساحة هادئة لمقاومة آثار الدمار؛ هنا تتحول الصفحات الممزقة إلى حكايات صمود، وتصبح كل نسخة يعيدها جميل إلى الحياة انتصارًا صغيرًا على آثار الحرب التي طالت كل تفاصيل الحياة في قطاع غزة.

وُلد مقداد في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وعاش فيه طوال حياته، وارتبط اسمه بمهنة تجليد الكتب لأكثر من 45 عامًا. وقبل الحرب، امتلك مكتبة ومطبعة شكّلتا مصدر رزق له ولأبنائه، قبل أن تطالهما آلة الدمار وتحوّل سنوات العمل إلى ركام.

ويقول مقداد لصحيفة "فلسطين"، مستعيدًا تفاصيل تلك المرحلة: "كانت لديّ مكتبة ومطبعة قبل الحرب، وبعد النزوح الأول عدنا لنجد المطبعة قد احترقت بالكامل. اضطررت إلى شراء ماكينة مستعملة حتى أعيد تشغيل المطبعة لأبنائي، لأنها مصدر دخلهم الوحيد، أما أنا فقررت العودة إلى ترميم الكتب، لأن عمري وحالتي الصحية لم يعودا يسمحان لي بالعمل لساعات طويلة في المطبعة".

لم يكن قرار العودة إلى التجليد مجرد تغيير في طبيعة العمل، بل كان رجوعًا إلى مهنة ارتبط بها طوال عقود، لكن هذه المرة في ظروف استثنائية فرضتها الحرب. ومع ندرة دخول المصاحف الجديدة إلى القطاع بسبب إغلاق المعابر، وجد جميل نفسه أمام مهمة مختلفة؛ الحفاظ على ما تبقى من المصاحف وإعادتها صالحة للقراءة.

كل صباح، يبدأ عمله بالطريقة ذاتها؛ يفرد المصاحف التي تضررت أغلفتها أو تمزقت صفحاتها بفعل القصف والاستخدام، ثم يفرز الأوراق، ويقيس الأغلفة المناسبة، ويبدأ بخياطتها يدويًا، قبل تثبيت الغراء وصناعة غلاف جديد من الكرتون المقوى.

ويقول: "أخرجت ما تبقى من المصاحف التي كانت في بيتي ومكتبتي، بعدما مزقتها شظايا القصف وأثقلت الحرب صفحاتها، ووضعتها على طاولتي الصغيرة، وبدأت أصلحها ابتغاء وجه الله، دون أن أتقاضى مقابلًا أو أتوقع أن يتحول الأمر إلى عمل يقصده الناس".

ويضيف: "مع مرور الأيام، بدأ الجيران يأتون بمصاحفهم، ثم أخذت المساجد ترسل إليّ عشرات النسخ التي أنهكتها الحرب، حتى تحولت هذه الطاولة المتواضعة إلى ورشة تعيد الحياة لكتاب الله".

ويؤكد مقداد أن هدفه الأساسي هو الحفاظ على المصاحف من التلف، قائلًا: "كتاب الله يجب أن يبقى محفوظًا، خاصة أن المصاحف لا تدخل إلى غزة بسبب إغلاق المعابر، لذلك أصبحنا نُرمم ونصلح ما دمرته الحرب بدل أن نفقده".

ولا تقتصر مهارته على إصلاح الأغلفة أو تثبيت الصفحات، بل تمتد إلى معالجة الأجزاء الناقصة من المصحف؛ فإذا وجد صفحات مفقودة، يبحث عن نسخة مماثلة، ويصور الأوراق الناقصة، ثم يعيد خياطتها داخل المصحف، لتصبح جزءًا متماسكًا من النسخة الأصلية.

ورغم معاناته من إعاقة في قدمه اليمنى منذ الولادة واعتماده على طرف صناعي، يواصل جميل عمله يوميًا، إلا أن حالته الصحية تحد من قدرته على الاستمرار لساعات طويلة.

ويقول بابتسامة تخفي تعب السنين: "صحتي لم تعد تساعدني، أكثر من خمس ساعات لا أستطيع العمل، لكن الإقبال أصبح فوق طاقتي، لديّ اليوم نحو مئتي مصحف بانتظار الإصلاح".

وتتكدس المصاحف فوق الطاولة وفي زوايا المكان؛ بعضها يحتاج إلى غلاف جديد، وأخرى تنتظر خياطة دقيقة، فيما فقدت نسخ أخرى صفحات كاملة. وبين مصحف وآخر، يتحرك جميل بهدوء وصبر، مدركًا أن مهمته لا تتعلق بالورق وحده، بل بالحفاظ على كتاب كريم في وقت أصبحت فيه أبسط الاحتياجات نادرة.

في غزة التي أُتلفت فيها المكتبات، وتضررت المطابع، وأغلقت المعابر، وجد جميل طريقًا خاصًا للمقاومة؛ فهو لا يعيد بناء منزل أو شارع، لكنه يعيد إعمار ما بين دفتي كل مصحف، ليمنح مئات النسخ فرصة جديدة للبقاء بين أيدي أصحابها، شاهدة على أن ما تهدمه الحرب يمكن أن تعيده إرادة الإنسان، صفحة بعد أخرى.

المصدر / فلسطين أون لاين