فلسطين أون لاين

بعد ألف يوم من حرب الإبادة

صُمّ غزة يواجهون الموت بصمت.. غياب التحذيرات والخدمات يفاقم معاناتهم

...
غياب الخدمات يفاقم معاناة الصم بغزة (أرشيف)
غزة/ صفاء عاشور:

بعد ألف يوم من الحرب المتواصلة على قطاع غزة، تتكشف معاناة فئاتٍ بقيت بعيدة عن دائرة الاهتمام، وفي مقدمتها الأشخاص الصم، الذين يواجهون أخطارًا مضاعفة في ظل انهيار منظومة الخدمات الإنسانية والصحية. فإلى جانب القصف والنزوح والجوع، يحرمهم غياب وسائل التواصل الملائمة من الوصول إلى التحذيرات المنقذة للحياة والخدمات الأساسية، لتتحول إعاقتهم السمعية إلى عامل إضافي يهدد حياتهم.

ويؤكد المختص في شؤون الإعاقة السمعية، فضل كراز، أن الأشخاص الصم يعيشون واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم، موضحًا أن الحرب لم تدمر المنازل والبنية التحتية فحسب، بل سلبتهم أيضًا وسائل التواصل والنجاة، وفاقمت عزلتهم عن المجتمع.

عزلة قد تنتهي بالموت

ويقول كراز لصحيفة "فلسطين" إن أخطر ما يواجهه الشخص الأصم خلال الحرب هو حرمانه من الوصول إلى المعلومات المنقذة للحياة في الوقت المناسب.

ويوضح أن التحذيرات من الغارات أو أوامر الإخلاء تصدر غالبًا عبر مكبرات الصوت أو النداءات الشفهية والإذاعات المحلية، وهي وسائل لا يستطيع الأشخاص الصم الاستفادة منها، ما يجعل ثوانٍ قليلة تفصل بين الحياة والموت.

ويضيف أن كثيرين منهم يعتمدون على ملاحظة حركة الناس أو انتظار تنبيه من أحد أفراد الأسرة أو الجيران، إلا أن الفوضى التي ترافق القصف والنزوح الجماعي قد تتركهم دون أي إنذار، الأمر الذي يزيد احتمالات تعرضهم للإصابة أو الاستشهاد.

تعليم وعلاج في مهب الحرب

ولا تقتصر آثار الحرب على النجاة من القصف، بل تمتد إلى التعليم والتأهيل، إذ يشير كراز إلى خروج معظم المؤسسات والجمعيات المتخصصة في تعليم لغة الإشارة والتأهيل المهني وبرامج الدمج المجتمعي عن الخدمة، ما أدى إلى انقطاع آلاف الأطفال الصم عن التعليم والتأهيل.

ويرى أن استمرار هذا الانقطاع يهدد بفقدان سنوات حاسمة من التطور اللغوي والاجتماعي للأطفال، ويزيد من عزلتهم حتى بعد انتهاء الحرب.

كما يواجه الأشخاص الصم صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية، بسبب غياب مترجمي لغة الإشارة في معظم المستشفيات والمراكز الطبية، ما يعيق شرح الأعراض وفهم التعليمات الطبية، وقد يؤدي إلى أخطاء في التشخيص أو العلاج.

ويلفت إلى أن كثيرًا من ضعاف السمع فقدوا سماعاتهم الطبية خلال القصف أو النزوح، فيما تعذر إصلاحها أو توفير بطارياتها وقطع غيارها نتيجة الحصار، ما حرمهم من وسيلة أساسية للتواصل.

دعم نفسي غائب

ويؤكد كراز أن الحرب خلّفت آثارًا نفسية عميقة لدى الأشخاص الصم بعد فقدان الأقارب والمنازل وتكرار النزوح، إلا أن خدمات الدعم النفسي المناسبة لهم تكاد تكون معدومة، بسبب غياب الاختصاصيين القادرين على التواصل بلغة الإشارة، ما يترك الصدمات النفسية دون علاج ويضاعف آثارها على المدى البعيد.

ويختتم كراز بمناشدة المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية لإدماج الأشخاص الصم في جميع خطط الاستجابة الإنسانية، وضمان وصول المعلومات والخدمات إليهم بوسائل تراعي احتياجاتهم، مؤكدًا ضرورة تضمين إجراءات الإخلاء وتوزيع المساعدات والخدمات الصحية والدعم النفسي آليات واضحة للتواصل بلغة الإشارة.

ويقول: "الأشخاص الصم في غزة لا يدفعون ثمن الحرب مرة واحدة، بل مرتين؛ الأولى بسبب القصف والنزوح، والثانية بسبب حرمانهم من الوصول إلى المعلومات والخدمات في ظل صمت العالم عن معاناتهم."

وبعد ألف يوم من الحرب، تبقى معاناة الأشخاص الصم من أكثر الأزمات الإنسانية خفاءً في قطاع غزة، إذ يواجهون الموت والعزلة وانهيار الخدمات، بينما لا تزال مطالبهم بالحماية والوصول العادل إلى المساعدات تنتظر استجابة حقيقية.

المصدر / فلسطين أون لاين