من مستشفى شهداء الأقصى إلى لجنة التكنوقراط، غزة تعبر من السياسة إلى التنفيذ.
في التاريخ السياسي للشعوب، هناك لحظات لا تكتسب أهميتها من حجم القرار بقدر ما تستمد معناها من توقيته، ومكان إعلانه، والرسائل الكامنة وراءه. ومن هذا الباب يمكن قراءة إعلان استقالة رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي بالإنابة ورئيس لجنة الطوارئ الحكومية، تمهيدًا لتسليم المسؤوليات التنفيذية إلى الجهة التي سيتم التوافق عليها.
لم يكن المشهد عاديًا، ولم يكن اختيار مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح لإعلان القرار تفصيلًا بروتوكوليًا أو مصادفة جغرافية؛ فالمستشفى الذي تحول، خلال شهور الحرب، إلى عنوان للألم الفلسطيني ومركز لاستقبال الشهداء والجرحى والنازحين، أصبح المكان الذي يُعلن منه الانتقال من مرحلة إدارة الصمود إلى مرحلة بناء التوافق الوطني، وكأن الرسالة تقول إن القضية ليست صراعًا على سلطة، ولا تنافسًا على مواقع إدارية، بل هي معركة من أجل حماية الإنسان الفلسطيني وصيانة المجتمع الذي أنهكته الحرب والحصار والإبادة.
وفي خطوة تحمل دلالات سياسية وإدارية عميقة، قدم رئيس لجنة الطوارئ الحكومية استقالته تمهيدًا لنقل إدارة شؤون القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بما يعني أن مسار انتقال المسؤوليات لم يعد مجرد تعهد سياسي أو بند في تفاهمات معلنة، بل أصبح إجراءً تنفيذيًا دخل حيز التطبيق الفعلي. كما تقرر اعتبار رؤساء المؤسسات الحكومية القائمة هيئة مؤقتة لتسيير الأعمال، تتولى إدارة الحد الأدنى من المرافق العامة إلى حين تسلم الجهة الجديدة مسؤولياتها بصورة كاملة، مع الإبقاء على الكوادر الفنية والمهنية الضرورية لضمان استمرار الخدمات الأساسية، وعدم تعريض المجتمع لأي فراغ إداري أو انهيار مؤسساتي.
والرسالة الكامنة وراء هذه الخطوة أن القوى الفلسطينية اختارت الانحياز إلى منطق الدولة لا منطق السلطة، وإلى حماية المجتمع لا التمسك بالمواقع، وإلى تأمين احتياجات الناس لا إدارة معارك النفوذ؛ فالبلديات والمستشفيات ومؤسسات المياه والكهرباء والإغاثة ليست ملكًا لفصيل، ولا ساحة للتجاذب السياسي، وإنما هي شرايين حياة لمجتمع أنهكته الحرب والإبادة والحصار. ومن ثم، فإن الإبقاء على البنية الفنية والإدارية للدولة ليس تمسكًا بإدارة قائمة، بل إجراء وقائي يهدف إلى صيانة السلم الأهلي، ومنع الانهيار، وضمان عبور آمن ومنظم نحو المرحلة الجديدة.
وبهذا المعنى، فإن ما جرى ليس مجرد استقالة لمسؤول حكومي، بل إعلان سياسي عن الاستعداد لتسليم الراية، وفتح الباب أمام اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وإلقاء المسؤولية كاملة في ملعب الوسطاء والجهات الراعية لاستكمال ما تبقى من ترتيبات الانتقال، وتحويل التفاهمات من نصوص مكتوبة إلى واقع يلمسه المواطن الفلسطيني في أمنه وخدماته وحقه في الحياة الكريمة.
في علم السياسة، ثمة فارق بين إعلان النيات وبين الدخول في حيز التنفيذ؛ الأول خطاب، والثاني فعل، والأمم لا تحاسب القوى السياسية على ما تقوله، بل على ما تفعله. ولذلك، فإن قرار الاستقالة وتشكيل هيئة مؤقتة لتسيير الأعمال يمثلان الانتقال الفعلي من مرحلة التفاهمات النظرية إلى مرحلة الالتزامات التنفيذية.
لقد قدمت حركة حماس والفصائل الفلسطينية، ومعها لجنة متابعة العمل الحكومي، خطوة عملية تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من المرونة السياسية والمسؤولية الوطنية؛ فالتنازل عن الإدارة التنفيذية في ظروف استثنائية تعيشها غزة ليس أمرًا إجرائيًا فحسب، بل هو قرار ينتمي إلى منطق الدولة، وإلى فلسفة تغليب المصلحة العامة على المصالح الفئوية والتنظيمية.
وفي القانون الإداري، يوجد مبدأ راسخ يعرف باستمرارية المرفق العام، وهو المبدأ الذي يوجب عدم توقف الخدمات الأساسية تحت أي ظرف سياسي أو أمني. ومن هنا، فإن تحويل الإدارة الحالية إلى هيئة مؤقتة لتسيير الأعمال لا يعني إنشاء سلطة موازية أو إدارة بديلة، بل يمثل تدبيرًا انتقاليًا لحماية المجتمع من الفراغ المؤسسي، ومنع انهيار المرافق العامة إلى حين مباشرة لجنة التكنوقراط مسؤولياتها.
إن الفراغ الإداري في مجتمع تعرض لحرب إبادة وحصار وتجويع لا يعني مجرد تأخر في المعاملات الحكومية، بل يعني تعطل المستشفيات، وغياب الإغاثة، وانهيار البلديات، وتوقف خدمات المياه والكهرباء، ودخول المجتمع في دائرة الفوضى. ولذلك، فإن استمرار هيئة تسيير الأعمال بصورة مؤقتة ليس دفاعًا عن سلطة، وإنما دفاع عن المجتمع.
ومن زاوية دبلوماسية، فإن القرار يحمل رسالة واضحة إلى الوسطاء والجهات الراعية، مفادها أن القوى الفلسطينية أنجزت استحقاقاتها الداخلية، وفتحت الطريق أمام المرحلة التالية. وبمعنى آخر، فإن الكرة أصبحت الآن في ملعب مجلس السلام والجهات المكلفة برعاية التفاهمات.
أي حديث بعد اليوم عن تعطيل داخلي أو عدم وجود بيئة سياسية مناسبة لبدء ترتيبات الانتقال، لم يعد يجد ما يسنده على أرض الواقع؛ فالخطوات التنفيذية بدأت بالفعل، والإجراءات الإدارية اتخذت بصورة عملية، ولم يعد ينقص المشهد سوى أن تلتقط الأطراف الراعية هذه اللحظة، وتترجمها إلى آليات تمكين حقيقية، وإطلاق خطة إغاثة وتعافٍ وإعادة إعمار.
إن مجلس السلام يقف اليوم أمام اختبار سياسي وأخلاقي في آن واحد؛ فإما أن يتعامل مع هذه الخطوة باعتبارها فرصة لإنتاج مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وإما أن تضيع فرصة أخرى في دهاليز الحسابات الإقليمية والتردد الدبلوماسي.
وفي الفلسفة السياسية، يقال إن شرعية أي سلطة لا تقاس بقدرتها على البقاء، وإنما بقدرتها على خدمة الناس. ومن هذه الزاوية، فإن الخطوة التي اتخذتها حماس والفصائل ولجنة العمل الحكومي تكتسب أهميتها؛ لأنها تعيد توجيه البوصلة نحو الإنسان الفلسطيني واحتياجاته اليومية، وتضع قضية الإغاثة واستمرار الخدمات في صدارة الأولويات.
لقد اختارت القوى الفلسطينية أن تنتقل من لغة البيانات إلى لغة الإجراءات، ومن مربع الإعلان السياسي إلى مربع التنفيذ العملي، واختارت أن تعلن هذه الخطوة من مستشفى شهداء الأقصى، الذي أصبح رمزًا لصمود غزة وآلامها، لتؤكد أن جوهر المرحلة ليس إعادة توزيع النفوذ، بل حماية مجتمع جريح يحتاج إلى الخبز والدواء والمأوى أكثر مما يحتاج إلى السجالات السياسية.
وبهذا المعنى، فإن قرار الاستقالة لم يكن نهاية مرحلة إدارية بقدر ما كان بداية مرحلة وطنية جديدة، مرحلة عنوانها الشراكة، والمسؤولية المشتركة، وإنقاذ المجتمع الفلسطيني.
أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن، فهو ما إذا كان مجلس السلام والجهات الراعية سيدركون قيمة اللحظة، ويلتقطون الكرة التي وضعتها القوى الفلسطينية في ملعبهم، أم أن غزة ستبقى معلقة بين التفاهمات المعلنة والتنفيذ المؤجل.
إن التاريخ يعلمنا أن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، واليوم قدمت حماس والفصائل ولجنة العمل الحكومي دليلًا عمليًا على رغبتها في إنجاح المرحلة وخدمة المجتمع الفلسطيني، وما تبقى لم يعد قرارًا فلسطينيًا داخليًا، بل مسؤولية تقع على عاتق الأطراف المكلفة بتحويل التفاهمات إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.

