قائمة الموقع

غزة وعقيدة الصدمة: "مجلس السلام" وصناعة الأمر الواقع

2026-07-06T09:10:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

تسعى الدول الاستعمارية دائماً إلى تحويل الدمار والكارثة التي تسببها للشعوب المستهدفة إلى مشروع سياسي، تُعاد فيه صياغة المنطقة بما يخدم مصالحها، وذلك عبر إدخال الشعب المحتل في حالة صدمة تجعله يتقبل الحلول المفروضة من الخارج.

صاغت الكاتبة ناعومي كلاين هذا المصطلح عام 2007 لتصف كيف تستغل النخب لحظات الانهيار لتمرير سياسات يرفضها الناس في الأوقات العادية، فحين يفقد المجتمع القدرة على توقع المستقبل، تتراجع مقاومته، ويصبح أكثر استعداداً لقبول حلول تُفرض عليه من الخارج، وقد طُبقت هذه العقيدة في العراق بعد عام 2003، وتكرر النموذج في دول أمريكا اللاتينية، واليوم يحاول الاحتلال تطبيقها على غزة، ولكن هذه المرة تحت لافتة "مجلس السلام".

جاء "مجلس السلام" ليستثمر حالة الصدمة التي تعتقد إسرائيل وأمريكا أنه تم دفع القطاع إليها، وبحسب متابعة سلوك المجلس، يتبين أن المشروع الذي يحاول تطبيقه في غزة لا يبدأ من الاستماع للفلسطينيين، بل من فرض معادلة جديدة على الأرض، مغلفة بخطاب "إنساني" عنوانه إخراج غزة من كارثتها بأي ثمن.

وباعتقادي أن ما يجري التخطيط له لا يُعرض كاملاً على العلن، بل تُدار خطط بأدوات ناعمة وخشنة، ومن الممكن ألا تظهر ملامحها الحقيقية إلا بعد أن تتحول إلى وقائع مكتملة يصعب التراجع عنها.

ورغم عدم وضوح الخرائط الكاملة لما يخطط له المجلس بالشراكة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، فإن الواضح هو وجود مشروع يستهدف إخراج الغزيين من أرضهم، بمسميات مختلفة وأغطية متعددة، فبعد فشل مشروع التهجير بعنوانه الفج، بدأت تظهر عناوين أخرى تحمل المضمون نفسه، فظهر مصطلح "الهجرة الطوعية"، ويجري الآن الترويج لمصطلح "حرية التنقل والسفر"، وقد أسست إسرائيل جهازاً خاصاً لتنفيذ هذا المخطط، هي وجوه متعددة لغاية واحدة: تفريغ القطاع من سكانه.

وفي قلب هذا المشهد، يضع المجلس ملف "نزع السلاح" في الواجهة، ويتم تضخيمه إعلامياً وسياسياً حتى يبدو وكأنه العقدة الوحيدة، وأن تجاوزها سيفتح الباب أمام خلاص غزة.

لكن القراءة قد تكون أعمق، فالتركيز الحاد على السلاح قد يكون آلية لصرف الأنظار، فبينما تنشغل الساحة بهذا النقاش، تمضي مسارات أخرى بهدوء لترتيب واقع سياسي وديموغرافي جديد.

وبينما يُجر الجميع إلى نقاش فني حول السلاح، يجري العمل على بناء معادلات أوسع وأخطر، لا علاقة لها بمعاناة الناس المباشرة، بل بمصير القطاع على المدى البعيد.

وخير دليل على ذلك سلوك المجلس والاحتلال في المفاوضات؛ فبعد كل مرة يتم التوافق فيها على ورقة وصيغة يقدمها المجلس، تظهر ورقة وشروط جديدة، ويُتهم الفلسطينيون بعرقلة تنفيذ الاتفاق.

"مجلس السلام" يرأسه دونالد ترامب، وهو شريك إسرائيل الذي زودها بالسلاح طوال فترة حرب الإبادة، كما عبّر في أكثر من مناسبة عن ولائه لإسرائيل، ومن هنا يمكن القول إن ما يُطرح ليس مشروع إنقاذ إنساني، بقدر ما هو محاولة لتمرير مخططات تمس جوهر القضية الفلسطينية.

لكن مهما استخدمت قوى الاحتلال أدوات ناعمة وخشنة، ومهما صنعت من وقائع وأوهمت بأنها نهائية، فإن الإرادة الفلسطينية ستبقى هي الكلمة العليا، فالتاريخ علّمنا أن الشعوب التي تُبتلى بالحصار والنكبات تخرج أقوى وأكثر وعياً.

اخبار ذات صلة