لم يعد الاحتلال يخوض حروبه لتحقيق أهداف عسكرية آنية فحسب، بل باتت تعتمد عقيدة سياسية وأمنية تقوم على فرض وقائع ميدانية جديدة، ثم السعي لتحويلها إلى حقائق سياسية في أي مفاوضات لاحقة.
إنها سياسة “الأمر الواقع”، التي تُرسم فيها الخرائط بالدبابات والطائرات قبل أن تُناقش على طاولات التفاوض.
في غزة، تبدو هذه السياسة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبينما تستمر الجهود السياسية للوصول إلى اتفاق يوقف الحرب، يعمل الاحتلال بالتوازي على توسيع مناطق سيطرته، وإنشاء أحزمة أمنية، وإعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية بما يخدم رؤيته الأمنية والسياسية، خاصة بعد السابع من أكتوبر والهزيمة التي تعرض لها.
فالهدف لم يعد مجرد الضغط العسكري، وإنما إنتاج واقع جديد يجعل أي اتفاق مستقبلي ينطلق من معطيات فرضها الاحتلال بالقوة، لا من قواعد القانون الدولي أو الحقوق الفلسطينية.
هذه المقاربة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا بعد تجربة جنوب لبنان. فرغم التفاهمات والاتفاقات التي أُبرمت، واصل الاحتلال تنفيذ الغارات والاحتفاظ بوجوده في بعض المناطق، في محاولة لترسيخ معادلة جديدة تقوم على أن القوة العسكرية تمنحه حق تعديل الاتفاقات أو تجاوزها متى شاء. واليوم، يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو تحاول استنساخ هذا النموذج في غزة، عبر السعي إلى تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، تضمن استمرار النفوذ الإسرائيلي حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
ولا يقتصر الأمر على غزة ولبنان، بل يمتد إلى سوريا أيضًا، حيث يواصل الاحتلال تنفيذ ضربات متكررة، والإبقاء على وجوده في مواقع استراتيجية، مستفيدًا من التحولات الإقليمية والدعم الأمريكي، في محاولة لإعادة رسم موازين القوة وفرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.
لكن هذه السياسة، رغم ما قد تحققه من مكاسب تكتيكية، تواجه معضلة جوهرية.
التاريخ يؤكد أن القوة تستطيع فرض واقع ميداني مؤقت، لكنها تعجز عن منحه شرعية دائمة.
فالخرائط التي تُرسم بالنار تبقى مرتبطة بموازين القوة المتغيرة، في حين تحتاج التسويات المستقرة إلى قبول سياسي وقانوني لا يمكن فرضه بالسلاح وحده.
كما أن ربط أي اتفاق بوقائع يفرضها الاحتلال على الأرض يحمل في طياته بذور جولات جديدة من الصراع.
فالشعوب التي تُنتزع حقوقها بالقوة لا تتعامل مع تلك الوقائع باعتبارها نهاية للنزاع، بل تراها مرحلة جديدة من مراحل مقاومته.
ومن هنا، فإن سياسة الأمر الواقع قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تنهي أسبابه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاحتلال، رغم تفوقه العسكري، لم يتمكن من فرض استسلام سياسي على الفلسطينيين، كما لم ينجح في تحقيق الأمن المستدام عبر القوة وحدها.
واليوم، وهو يحاول إعادة هندسة الجغرافيا في غزة ولبنان وسوريا، يبدو أنه يعيد إنتاج الفكرة ذاتها بأدوات مختلفة، متجاهلًا أن الاستقرار لا يصنعه توسيع مناطق السيطرة، ولا تُبنى الخرائط الدائمة بالدبابات، بل بإقرار الحقوق وإنهاء الاحتلال.
وفي النهاية، قد تنجح إسرائيل في فرض وقائع على الأرض لفترة من الزمن، لكنها ستبقى عاجزة عن تحويلها إلى سلام دائم.
فالتاريخ يثبت أن الجغرافيا التي تُهندس بالنار قد تتغير، أما إرادة الشعوب فلا يمكن إعادة رسمها بالقوة. ومن هنا، فإن سياسة الأمر الواقع ليست مشروعًا لصناعة السلام، بل وصفة لإطالة أمد الصراع وإعادة إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا.