قائمة الموقع

ملحيس: السابع من أكتوبر أعاد فلسطين إلى مركز التاريخ وأسقط يقينيات راسخة

2026-07-05T11:01:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد محطة عسكرية في سياق صراع ممتد، بل لحظة أعادت فتح أسئلة كبرى حول معنى القوة، وحدود الشرعية، وطبيعة النظام الدولي نفسه. فبعد ألف يوم من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يعد النقاش محصورا في خرائط السيطرة أو أعداد الضحايا، بل امتد إلى البنى العميقة التي تنتج المعنى السياسي والأخلاقي في العالم.

في هذا السياق، ترى الباحثة د. غانية ملحيس أن التحولات التي أعقبت عملية طوفان الاقصى تتجاوز الحسابات العسكرية، لتصل إلى إعادة تشكيل مركز فلسطين في التاريخ، وإعادة تعريف الشرعية ذاتها.

من ميزان القوة إلى ميزان الشرعية

ترى ملحيس أن السؤال عن السابع من أكتوبر لا يمكن أن يختزل في نتائج عسكرية مباشرة، لأن الحروب الكبرى لا تقاس فقط بمن يربح أو يخسر ميدانيا، بل بما تحدثه من تحولات في مفهوم الشرعية السياسية والأخلاقية.

وتشير إلى أن التاريخ مليء بأحداث لم تنه أنظمة في لحظتها، لكنها غيرت الأسس الفكرية التي تقوم عليها تلك الأنظمة، كما حدث في تحولات كبرى غيرت شكل العالم عبر الزمن.

ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأهم من وجهة نظر ملحيس ليس "من انتصر؟" بل "ما الذي تغير في بنية الشرعية ذاتها؟"، وهو ما تعتبره المدخل الحقيقي لفهم المرحلة الراهنة.

وتؤكد ملحيس في حوار مع صحيفة "فلسطين"، أن القوة العسكرية قادرة على فرض وقائع على الأرض، لكنها عاجزة عن تحويل هذه الوقائع إلى شرعية مستقرة إذا بقيت موضع نزاع تاريخي وأخلاقي.

فلسطين تعود إلى مركز التاريخ

وفق هذا التحليل، أعاد السابع من أكتوبر فلسطين إلى مركز الاهتمام العالمي بعد أن كانت تدار في كثير من السياقات كقضية إنسانية أو ملف مؤجل. مشيرة إلى أن فلسطين لم تعد قضية هامشية في الإقليم، بل أصبحت محورا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو إقليمية مستقبلية.

وترى أن هذا التحول أعاد تعريف موقع فلسطين في النظام الدولي، من ملف إغاثي إلى قضية سياسية مركزية ذات بعد تاريخي مفتوح. كما تؤكد أن محاولات تجاوز فلسطين في مشاريع الإقليم أثبتت محدوديتها أمام عودة القضية إلى قلب التفاعلات الدولية.

يكتسب الحديث مع ملحيس أهمية خاصة، كونها باحثة فلسطينية مخضرمة في الشؤون السياسية والاقتصادية، وخبيرة عميقة في تحليل التحولات الإقليمية والدولية. وتعد من الأصوات البحثية التي واكبت تطور القضية الفلسطينية من داخل مؤسساتها السياسية والفكرية، وأسهمت في قراءتها بمنظور استراتيجي واسع.

شغلت ملحيس مواقع قيادية واستشارية في مؤسسات فلسطينية وعربية، وشاركت في أعمال جامعة الدول العربية، كما قدمت دراسات ومؤلفات في الفكر السياسي والقضية الفلسطينية. وتركز عملها البحثي على تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما رافق عملية "طوفان الأقصى" من تحولات سياسية واستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي

انكشاف المشروع الإسرائيلي وسردياته

تذهب ملحيس إلى أن حرب الألف يوم  لم تنتج إسرائيل جديدة، بل كشفت إسرائيل القائمة في بنيتها العميقة وحدود قوتها. وتشير إلى أن ما جرى أبرز الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية للمشروع الإسرائيلي، كما كشف حدود القوة في إنتاج الشرعية.

وترى أن هذا الانكشاف لم يقتصر على البعد العسكري، بل امتد إلى البعد الرمزي والأخلاقي المرتبط بصورة إسرائيل في العالم.

وتؤكد أن العنف الاسرائيلي، في هذا السياق، لم يعد يقرأ كاستثناء، بل كجزء من بنية تاريخية أوسع مرتبطة بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه.

تفكك السرديات المؤسسة لإسرائيل وأزمة النظام الدولي

وتشير ملحيس إلى أن السرديات الكبرى التي تأسست عليها إسرائيل باتت موضع مساءلة متزايدة في العالم، مثل سردية الضحية التاريخية، والديمقراطية الوحيدة، والجيش الذي لا يقهر.

وتؤكد أن هذه السرديات لم تعد محصورة في الجدل العربي، بل أصبحت محل نقاش داخل الغرب نفسه وفي أوساط يهودية متزايدة. وترى أن هذا التحول يعكس اهتزازًا في البنية الرمزية التي كانت تمنح إسرائيل جزءا من شرعيتها الدولية.

وفي موازاة ذلك، ترى ملحيس أن الحرب الابادية على الفلسطينيين في غزة كشفت أزمة أعمق في النظام الدولي نفسه، خصوصا في ما يتعلق بفاعلية القانون الدولي.

وتطرح تساؤلات حول مدى حيادية المؤسسات الدولية، ومدى تطبيق القواعد الدولية بصورة متساوية، في ظل ما تعتبره انتقائية واضحة في التطبيق. كما تشير إلى أن الفجوة بين خطاب حقوق الإنسان الغربي والممارسة الفعلية باتت أكثر وضوحا في سياق الحرب.

الفاعل الفلسطيني وحدود القوة

وترى ملحيس أن أحد أهم التحولات الناتجة عن الحرب الدامية هو عودة الفلسطيني من موقع "الضحية" أو "الموضوع الإنساني" إلى موقع الفاعل السياسي القادر على التأثير في الحدث.

وتؤكد أن هذا التحول يعيد تشكيل موقع الفلسطيني في الوعي العالمي، حتى مع استمرار الخلاف حوله سياسيا.

وفي بعد آخر، تشير إلى أن القوة العسكرية، رغم قدرتها على التدمير، لا تستطيع إنهاء القضايا التاريخية أو محو الذاكرة الجمعية للشعوب. وترى أن الصراع الفلسطيني مثال واضح على حدود القوة عندما تواجه قضايا ذات امتداد تاريخي مفتوح.

كما تؤكد أن الزمن وحده لا ينتج شرعية، وأن تحويل الوقائع المفروضة بالقوة إلى حق تاريخي ليس أمرا تلقائيا.

وتشير إلى أن الذاكرة الجمعية قد تكون أكثر قدرة من الزمن على إعادة فتح الأسئلة التاريخية المؤجلة. وترى أن التحول الأهم لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى اللغة ذاتها، حيث تغير معجم الصراع خلال الفترة الأخيرة.

وتخلص إلى أن السابع من أكتوبر فتح مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف العلاقة بين القوة والشرعية والتاريخ، حيث لم تعد القوة وحدها كافية لحسم معنى التاريخ أو إغلاق أسئلته المفتوحة.

اخبار ذات صلة