قائمة الموقع

الدكتور عمر فروانة زرع الأمل في آلاف الأسر قبل أن تغتاله الحرب

2026-07-04T10:32:00+03:00
الدكتور عمر صالح فروانة
فلسطين أون لاين

لم تقتصر خسائر القطاع الصحي في قطاع غزة خلال حرب الإبادة على تدمير المستشفيات واستنزاف المنظومة الطبية، بل امتدت إلى فقدان نخبة من الأطباء والعلماء الذين كرّسوا حياتهم لعلاج المرضى وبناء المؤسسات الصحية. وكان الدكتور عمر صالح فروانة، أحد أبرز رواد علاج العقم وأطفال الأنابيب في غزة، من بين تلك القامات العلمية التي فقدها القطاع، بعدما اغتاله جيش الاحتلال الإسرائيلي مع أفراد من عائلته في مجزرة مروعة، تاركًا وراءه إرثًا طبيًا وإنسانيًا ساعد آلاف العائلات على تحقيق حلم الإنجاب.

ولد الدكتور عمر صالح فروانة في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة في السابع من فبراير/شباط 1956، وهو متزوج وأب لأربعة أبناء وأربع بنات. تلقى تعليمه الأساسي في مدرستي الإمام الشافعي والزيتون، ثم أنهى المرحلة الثانوية في مدرسة فلسطين - الفرع العلمي، قبل أن يلتحق بكلية الطب في جامعة القاهرة، حيث حصل على درجة البكالوريوس.

واصل فروانة مسيرته الأكاديمية ليحصل على درجة الدكتوراه في علم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا) من جامعة ليدز البريطانية، ليصبح أول طبيب من قطاع غزة ينال هذه الدرجة من الجامعة. كما تلقى تدريبًا تخصصيًا في علاج العقم والذكورة وتقنيات أطفال الأنابيب في جامعة غرب أستراليا، وهو ما مكّنه من بناء خبرة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.

وخلال سنوات عمله، رسّخ مكانته بوصفه أحد أبرز أطباء العقم وأطفال الأنابيب في فلسطين، وأسهم في تحقيق حلم الإنجاب لآلاف العائلات داخل قطاع غزة وخارجه، الأمر الذي جعل نبأ استشهاده صدمة واسعة في الأوساط الطبية والأكاديمية.

ويقول محمد فروانة، أحد أقارب الشهيد، إن الدكتور عمر "كان من أبرز الشخصيات الطبية والأكاديمية في غزة، وشغل منصب عميد كلية الطب في الجامعة الإسلامية، وأسهم لعقود في تطوير القطاع الصحي والارتقاء بالخدمات الطبية المقدمة للمواطنين".

وأضاف، في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن فروانة كان من المؤسسين لعدد من المؤسسات الصحية، أبرزها مستشفى الخدمة العامة وجمعية أصدقاء المريض الخيرية، كما لعب دورًا محوريًا في إعداد وتأهيل أجيال من الأطباء والكوادر الطبية.

ولم تقتصر إنجازاته على الممارسة الطبية، إذ ساهم في تطوير محلول طبي يحافظ على وظائف الكلى أثناء عمليات زراعة الأعضاء، ويحد من الحاجة إلى الغسيل الكلوي ويحسن نسب نجاح عمليات الزراعة، وهو إنجاز اعتمد في مستشفى "سانت جيمس" الجامعي بمدينة ليدز البريطانية.

كما انضم إلى الهيئة التدريسية في الجامعة الإسلامية، قبل أن يتولى عمادة كلية الطب، وأسهم في تطوير مناهجها ومرافقها الأكاديمية، وأشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في هيئات تحكيم علمية دولية، حتى غدا مرجعًا أكاديميًا في تخصصه على مستوى فلسطين.

وفي موازاة عمله الأكاديمي، افتتح عيادة متخصصة في علاج العقم والضعف الجنسي بمدينة غزة، وتمكن من علاج حالات معقدة داخل القطاع وخارجه، فيما خصص جزءًا من خدماته الطبية لعلاج الفقراء مجانًا.

الطبيب المبعد

شكّلت تجربة الإبعاد إلى مرج الزهور في جنوب لبنان، مطلع تسعينيات القرن الماضي، محطة بارزة في حياة الدكتور فروانة، بعدما كان ضمن المبعدين الفلسطينيين، حيث تولى إدارة الشؤون الصحية للمبعدين، وأنشأ عيادة ميدانية رغم شح الإمكانات، وعمل على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بالتعاون مع مؤسسات إنسانية.

وخلال تلك الفترة، لم تقتصر خدماته على المبعدين، بل عالج أيضًا حالات عقم معقدة لنساء فلسطينيات ولبنانيات وسوريات، ليؤكد تميزه المهني حتى في أصعب الظروف، إلى جانب مواصلة نشاطه الدعوي والتربوي والإرشادي.

وعقب عودته إلى قطاع غزة، واصل جهوده في تطوير القطاع الصحي، فأسس عيادة أصدقاء الصبرة، وأسهم في إعادة تفعيل مشروع بنك الدم الإسلامي، وشارك في تأسيس مستشفى الخدمة العامة، وكان عضوًا في مجلس إدارة جمعية أصدقاء المريض الخيرية، وأول طبيب يعمل فيها.

وتروي شهادة إنسانية جانبًا آخر من أثره؛ إذ كتب مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده أن طبيبة أسترالية مخضرمة تُدعى هيلين تواصلت مع صحفي من غزة بحثًا عن طبيب ترك أثرًا عميقًا في حياتها خلال زيارة لوفد دولي إلى مرج الزهور.

وأضاف عبده أن الطبيبة لم تتذكر سوى أنه "طبيب متخصص في الخصوبة، حوّل مخيم مرج الزهور إلى عيادة تقدم العلاج لأهالي القرى المجاورة"، قبل أن تُصدم عندما علمت باستشهاده مع زوجته وأبنائه وأحفاده في قصف إسرائيلي.

مجزرة أنهت مسيرة طبيب

في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استهدف قصف إسرائيلي منزل الدكتور عمر فروانة في حي تل الهوى، جنوبي مدينة غزة، عقب عودته من عمله في مجمع الشفاء الطبي، ما أدى إلى استشهاده مع 16 فردًا من أفراد عائلته، بينهم ابنته الطبيبة آية، بينما نجت طفلة واحدة فقط من المجزرة.

برحيله، فقدت غزة طبيبًا لم يكن مجرد اختصاصي في علاج العقم، بل أحد بناة القطاع الصحي ورواد التعليم الطبي، وصاحب مسيرة علمية وإنسانية امتدت لعقود، ظل خلالها يمنح الأمل لآلاف الأسر، حتى انتهت حياته تحت أنقاض منزله، بينما بقي إرثه شاهدًا على رحلة طبيب جعل من الطب رسالة، ومن خدمة الإنسان قضية عمره.

اخبار ذات صلة