بعد مرور ألف يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية، لا تقتصر معاناة قطاع غزة على الدمار الواسع والخسائر البشرية، بل تمتد إلى أزمة بيئية وصحية آخذة في التصاعد بصمت. فقد أدى انهيار منظومة إدارة النفايات الصلبة إلى تكدس آلاف الأطنان من المخلفات في مكبات طارئة تجاوزت قدرتها الاستيعابية، وسط تحذيرات من كارثة تهدد الصحة العامة والموارد المائية، في ظل استمرار النزوح، وتدمير البنية التحتية، وشلل الخدمات البلدية.
وكشفت ورقة علمية أعدها المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات، طارق الهباش، واطلعت عليها صحيفة "فلسطين"، عن مؤشرات مقلقة تعكس حجم الانهيار الذي أصاب قطاع إدارة النفايات، محذرة من أن الأزمة تجاوزت كونها تحديًا خدميًا لتتحول إلى خطر بيئي وصحي واسع النطاق.
وتوضح الورقة أن قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته نحو 365 كيلومترًا مربعًا، ويقطنه أكثر من 2.13 مليون نسمة قبل الحرب، كان ينتج نحو 5400 متر مكعب من النفايات الصلبة يوميًا. ورغم انخفاض الكمية إلى نحو 4000 متر مكعب يوميًا خلال الحرب، فإن الأزمة تفاقمت نتيجة تركز السكان في مناطق النزوح المكتظة، وتراجع قدرة البلديات على جمع وترحيل النفايات.
وتشير البيانات إلى أن النفايات العضوية تشكل نحو 50% من إجمالي النفايات، ما يسرّع عمليات التحلل وإنتاج العصارة الملوثة التي تهدد التربة والمياه الجوفية. كما يشكل البلاستيك 14.6%، والورق والكرتون 12.5%، في وقت توقفت فيه عمليات الفرز وإعادة التدوير بشكل شبه كامل.
وكان مكب الفخاري الصحي، قبل الحرب، الوجهة الرئيسية للتخلص من النفايات في المحافظات الجنوبية، حيث كان يستقبل نحو 611 طنًا يوميًا، إلا أنه خرج عن الخدمة بالكامل من جراء الحرب، ليُستعاض عنه بسبعة مكبات طارئة وعشوائية تفتقر إلى أبسط الاشتراطات البيئية.
وخلال الحرب، ارتفعت كمية النفايات المنقولة إلى هذه المكبات إلى نحو 1800 متر مكعب يوميًا، ما أدى إلى استنزاف طاقتها الاستيعابية بوتيرة متسارعة.
وتكشف الورقة أن مكب الشلال في النصيرات يعمل بنسبة 79% من طاقته، ولم يتبقَّ له سوى نحو 50 يومًا قبل الامتلاء الكامل، فيما خرجت مكبات البريج عن الخدمة بعد استنفاد كامل سعتها.
أما في الزوايدة، فقد تجاوزت كمية النفايات 109% من القدرة الاستيعابية للمكب، بينما بلغت في دير البلح 132%، في مؤشر يعكس انهيارًا فعليًا لمنظومة الطمر الصحي.
وفي محافظة خان يونس، يقترب مكب الأمل من الامتلاء بنسبة 83%، مع تراكم أكثر من 132 ألف متر مكعب من النفايات، وعدم توفر سوى 37 يومًا قبل بلوغ الحد الأقصى لسعته.
وفي موازاة ذلك، تعرضت الإمكانات التشغيلية لضربة قاسية، إذ انخفض عدد مركبات جمع النفايات من 19 مركبة قبل الحرب إلى 5 مركبات فقط بحلول نهاية عام 2025، قبل أن يرتفع إلى 9 مركبات عقب تدخلات دولية محدودة.
كما توقفت محطات الترحيل النظامية عن العمل، ومن بينها محطة رفح، التي تحولت إلى نقطة تجميع عشوائية بطاقة لا تتجاوز 230 مترًا مكعبًا يوميًا.
ومع النقص الحاد في الوقود وتدمير المعدات، اضطرت البلديات إلى استخدام وسائل بدائية، كالعربات التي تجرها الحيوانات، لنقل النفايات من الشوارع ومراكز الإيواء.
ومن أبرز مؤشرات التدهور، انخفاض عدد حاويات النفايات من 2157 حاوية قبل الحرب إلى 496 حاوية فقط، أي بخسارة تجاوزت 77%، الأمر الذي أدى إلى انتشار أكوام النفايات في الأحياء السكنية ومحيط مراكز النزوح.
وتحذر الورقة من أن المكبات الطارئة أصبحت مصدرًا مباشرًا للتلوث البيئي، نتيجة تسرب العصارة الملوثة إلى المياه الجوفية، وانتشار الحشرات والقوارض، وانبعاث الروائح الكريهة الناتجة عن تحلل النفايات.
كما أدى اللجوء إلى الحرق المكشوف للتخلص من النفايات إلى زيادة تلوث الهواء، في ظل غياب أنظمة الرقابة البيئية، وتدهور الأوضاع الصحية في مناطق النزوح المكتظة.
وتبرز النفايات الطبية باعتبارها أحد أخطر جوانب الأزمة، بعد تدمير محطة معالجة النفايات الطبية بالكامل، بما فيها جهاز التعقيم المتخصص، ما اضطر الجهات المختصة إلى طمر هذه النفايات داخل خلايا مؤقتة في المكبات، وتغطيتها بطبقات من الرمال يتراوح سمكها بين متر ومتر ونصف.
كذلك دُمّرت مركبتا نقل النفايات الطبية، ما أجبر الجهات المختصة على استخدام مركبات مستأجرة، بينما لا تزال مشكلة خلط النفايات الطبية بالنفايات المنزلية قائمة، وهو ما يرفع احتمالات انتقال الأمراض وانتشار العدوى.
ورغم هذه الظروف، يشير الهباش إلى أن مجلس الخدمات المشترك حاول الحد من تداعيات الأزمة عبر توفير الوقود وقطع الغيار بدعم من جهات دولية، وتأمين 75 حاوية جديدة، وإعادة تأهيل عدد من الحاويات المتضررة، إضافة إلى تنفيذ حملة لمكافحة القوارض والحشرات خلال مايو/أيار 2026.
إلا أن الورقة تؤكد أن هذه التدخلات تبقى محدودة أمام حجم الكارثة، في ظل استمرار تدفق النفايات، وغياب الحلول المستدامة، وتواصل الحرب.
وتخلص الدراسة إلى أن إدارة النفايات في قطاع غزة لم تعد مجرد خدمة بلدية، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن الصحة العامة، في وقت يعيش فيه أكثر من 1.8 مليون نازح في مناطق مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويحذر الهباش من أن استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل عاجل لإعادة تشغيل المكبات الصحية، وإعادة بناء منظومة إدارة النفايات، وتوفير المعدات والوقود، سيقود إلى كارثة بيئية وصحية يصعب احتواؤها، لتصبح أزمة النفايات واحدة من أخطر الأزمات الصامتة التي تهدد حياة سكان قطاع غزة.

