حذرت شخصيات نقابية وحكومية ومجتمعية من خطورة استمرار حالة الفراغ الإداري في قطاع غزة وتداعياتها المتصاعدة على الخدمات الأساسية والموظفين والقطاعات الحيوية وسط الإبادة الإسرائيلية المستمرة للعام الثالث على التوالي وتعطل مسار الانتقال الإداري وغياب الجهة القادرة على إدارة الشأن العام.
جاء ذلك، خلال لقاء حواري نظمه (المركز الفلسطيني للدراسات السياسية) بالتعاون مع (نقابة الموظفين في القطاع العام)، وأدره الصحفي أيمن دلول، تحت عنوان: "تداعيات حالة الفراغ الإداري وغياب اللجنة الإدارية بغزة على الموظفين وجودة الخدمات"، بمشاركة ممثلون عن وزارات ومؤسسات حكومية ونقابات وقطاعات مهنية ومجتمعية.
وأجمع المشاركون على أن استمرار غياب جهة إدارية فاعلة في غزة أدى إلى تعميق الأزمة المركبة في إدارة الخدمات العامة، الأمر الذي انعكس سلبا على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها الصحة، والحكم المحلي، والإغاثة، والبنية التحتية، إضافة إلى أوضاع الموظفين والشرائح الاجتماعية المختلفة.
وحذروا من أن استمرار الحرب وتآكل البنية المؤسسية في ظل غياب إدارة انتقالية فاعلة يعمّق ما وصفوه بـ"الفجوة السلطوية"، حيث تتراجع قدرة المؤسسات القائمة على الاستجابة، دون وجود إطار إداري شامل قادر على تنظيم المرحلة أو قيادة جهود التعافي وإعادة الإعمار.
تداعيات حكومية وإنسانية
وأكد مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس أن التطورات الأخيرة تثبت صحة فرضية "الفجوة السلطوية" التي تناولتها ورقة بحثية سابقة للمركز، مشيرًا إلى أن اللجنة الوطنية – رغم تشكيلها – ما زالت خارج القطاع ولم تباشر مهامها التنفيذية، ما أبقى إدارة المرحلة في حالة فراغ انتقالي معقّد.
وأوضح خريس، خلال مداخلته، أن هذا الوضع يعطل جهود الإعمار ويُبقي التدخلات في إطار الإغاثة الطارئة دون انتقال فعلي إلى التعافي، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد إنسانية فقط بل باتت أزمة حوكمة وإدارة.
ووفق نائب نقيب الموظفين بالإنابة خليل حمادة، فإن نحو 50 ألف موظف حكومي يعيشون أوضاعًا معيشية صعبة نتيجة حصولهم على "فتات من الرواتب"، مشيرًا إلى أن هؤلاء يعيلون ما يقارب 400 إلى 500 ألف مواطن بشكل مباشر وغير مباشر. وذكر حمادة، خلال مداخلته، أن حالة الفراغ الإداري ساهمت في تعميق هشاشة أوضاع الموظفين وتركتهم في حالة من عدم الاستقرار المعيشي والوظيفي.
تعطيل الإغاثة
ووصف الخبير في شؤون الإعمار م. ناجي سرحان، حجم الدمار في غزة بـ"غير المسبوق"، حيث بلغت الخسائر المباشرة نحو 37 مليار دولار، وغير المباشرة 22.7 مليار دولار، مشيرًا إلى تدمير واسع طال البنية السكنية والخدمات الأساسية وشبكات البنية التحتية.
وأوضح سرحان أن غياب الجهة القادرة على إدارة ملف الإعمار يفاقم التعطيل ويحول دون الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، في ظل استمرار تراكم الركام وتعطل الخدمات الأساسية.
من جهته، قال وكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة رياض البيطار، إن الواقع الإنساني في القطاع يعكس حجمًا كبيرًا من التحديات المرتبطة بقدرة المنظومة الإدارية والخدمية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان، في ظل استمرار الحرب وتعطل العديد من أدوات العمل المؤسسي.
أما مدير عام الحكم المحلي م. ياسر حسونة، فأشار إلى أن قطاع الحكم المحلي يشكل ركيزة أساسية في ضمان استمرار الخدمات وصمود المواطنين، رغم التحديات المتفاقمة التي تواجهها البلديات والمؤسسات المحلية، خاصة في مجالات المياه والنظافة وإدارة النفايات، نتيجة تدهور البنية الخدمية واستمرار الحرب.
ونوه نقيب المهن الطبية د. محمد داود إلى أن هناك مجموعة من التوصيات والمقترحات لمعالجة تداعيات الحرب على القطاع الصحي والمجتمع، جرى رفعها للجهات المختصة، على أن تُستكمل في ورقة عمل شاملة تُقدَّم لصناع القرار، بهدف تعزيز الاستجابة وتحسين الواقع الإنساني والخدمي.
وفي ختام اللقاء، دعا المشاركون إلى بلورة رؤية وطنية فلسطينية موحدة لإدارة المرحلة، تقوم على إنهاء حالة الانقسام الإداري وتفعيل أو استكمال الأطر الانتقالية القادرة على إدارة القطاع، بما يضمن استعادة عمل المؤسسات العامة.
وأوصوا بضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار، وتعزيز دور النقابات والمؤسسات المدنية ومراكز البحث في دعم صناعة القرار، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لعمل المؤسسات الإنسانية والدولية.
وشددوا على أهمية ضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، وتطوير آليات إدارة موحدة للبيانات والخدمات، بما يضمن عدالة التوزيع ورفع كفاءة الاستجابة.