فلسطين أون لاين

هجوم 7 أكتوبر.. مفاجأة إستراتيجية غيرت وجه المنطقة

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

شكَّل هجوم 7 من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 محطة مفصلية أعادت رسم المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، وهجوما تاريخيا قادته كتائب القسام غير وجه المنطقة. وبعد مرور ألف يوم على الهجوم لا تزال تداعياته وما أحدثه من تحولات إستراتيجية وما كشفه من إخفاقات إسرائيلية تلقي بثقلها على الواقع الأمني والسياسي والعسكري في المنطقة، بعدما شكل مفاجأة إستراتيجية قلبت حسابات المنطقة.

ومُني جيش الاحتلال بفشل عسكري واستخباري تاريخي يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم تشهده دولة الاحتلال، بدءًا بالفشل في توقع الهجوم بالرغم من امتلاكه كل منظومات المراقبة.

وسبق الهجوم عملية تضليل وخداع مارستها حركة حماس، جعلت قادة الاحتلال يصلون لقناعة أن الحركة جرى ردعها، وهو قاله رئيس أركان جيش الاحتلال هرتسي هاليفي خلال زيارته لفرقة غزة يوم 12 سبتمبر/ أيلول 2023: إن "حماس تم ردعها لكن القوات الموجودة على الحدود مستعدة لأي حدث مفاجئ"، وعلى أثرها خفض الاحتلال قواته الموجودة على السياج الفاصل مع غزة بعد تقييم الوضع، ليمثل الهجوم انتكاسة وصدمة عسكرية للاحتلال.

وشارك في الهجوم التاريخي نحو 3 آلاف مقاتل من كتائب القسام، نصفهم قاموا بالهجوم والنصف الآخر قام بالإسناد عبر إطلاق قذائف الهاون والصواريخ لتثبيت مواقع الطائرات الحربية القريبة من المكان لمنع إقلاعها أو أي عملية اسناد.

وعلى مدار عدة ساعات فقد فيها جيش الاحتلال التواصل مع جنوده المتواجدين في المستوطنات المحاذية للقطاع، سادت حالة من التخبط والإرباك لدى جيش الاحتلال، ما مكن المقاومين من اقتحام المستوطنات ومراكز جيش الاحتلال وقتل وأسر مئات الضباط والجنود والمستوطنين.

 وتظهر التحقيقات الإسرائيلية فشلا استخباريا كبيرا في توقع الهجوم، فكان من المفترض أن تتمركز ثلاث كتائب مشاة وكتيبة مدرعة على الحدود مع غزة الممتدة لمسافة 59 كيلومترا، ولكن شعبة العمليات بالجيش قررت السماح لنحو ثلث القوات بالذهاب إلى منازلهم، وأن مسؤولي فرقة غزة قرروا إعادة أكثر من نصف القوة الموجودة هناك إلى منازلهم خلال عطلات السبت.

ووفق ما كشفته القناة 11 العبرية في سبتمبر/ أيلول 2024، عن بعض تائج تحقيقات سلاح الجو "الإسرائيلي" فإن 4 طائرات فقط كانت على أهبة الاستعداد وقت الهجوم ولم تنجح في فعل شيء، وأن طائرة مسيرة إسرائيلية واحدة فقط كانت تحلق في أجواء القطاع وقت الهجوم دون أن يلاحظ أحد طبيعة الصور التي أرسلتها،

وأوضحت القناة أن طائرات مروحية هرعت لحماية مواقع استراتيجية خارج غلاف غزة ولم تصل إلى الغلاف. وأكدت أن سلاح الجو فشل في بلورة صورة واضحة للأحداث، وأن مستوطني الغلاف كانت لديهم معلومات أكثر من ضباطه.

نقطة تحول

وبعد بعد مرور ألف يوم على السابع من أكتوبر، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أنه لم يعد الحدث ينظر إليه بوصفه هجوما عسكريا فحسب بل كنقطة تحول مفصلية في تاريخ الاحتلال ومؤسساته الأمنية، باعتباره أكبر إخفاق أمني وعسكري وسياسي واستخباري.

وقال الحاج لصحيفة "فلسطين": "لم يكن الفشل في جمع المعلومات فقط، بل في سوء تقدير وتفسير المؤشرات، والقصور في فهم طبيعة المجتمع الفلسطيني وتبعات سنوات الحصار، إلى جانب الثقة المفرطة بالقدرات الاستخبارية والعسكرية والتكنولوجية".

وأضاف، أن الجدل داخل دولة الاحتلال لم يعد يدور حول وجود الأخطاء أو تحديد المسؤولين عنها، بل حول حجم الفشل البنيوي الذي كشفته التحقيقات، من سوء التقدير إلى العجز عن الاستجابة في الساعات الأولى، ما جعل السابع من أكتوبر مرجعية جديدة في التفكير الأمني بعد أن كانت حرب أكتوبر 1973 هي المرجعية الأهم حتى ذلك اليوم.

وامتدت تداعيات الهجوم، وفق الحاج لتشمل مجمل الإقليم، حيث تحولت المواجهة في غزة إلى صراع متعدد الجبهات أعاد خلط الأوراق، وغيّر موازين القوى، وأدخل فاعلين إقليميين ودوليين على خط المواجهة بشكل مباشر وغير مباشر.

وأضاف الحاج أن هذا التحول فرض إعادة ترتيب للأولويات الأمنية والسياسية في المنطقة، وكشف الكثير من الوجوه والأنظمة، وأسقط جملة من الشعارات والخطابات الغربية عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

ويؤكد الحاج أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الأمن الإقليمي بات أكثر هشاشة وتعقيداً، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها أو تحقيق استقرار إقليمي ودولي بمعزل عنها، وتهاوي فكرة إدارة الصراع دون.

5 مستويات

من جهته، يرى رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية رامي الشقرة، أن هجوم السابع من أكتوبر أحدث تحولًا استراتيجيًا متعدد المستويات، تجاوز كونه عملية عسكرية إلى كونه حدثًا أعاد تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في الإقليم. ويمكن تلخيص أبرز هذه التحولات في خمسة مستويات:

أولًا، انهيار فرضية الردع الإسرائيلي. فقد كشف الهجوم عن ثغرات عميقة في منظومة الإنذار والاستخبارات والجاهزية العملياتية، وأسقط الاعتقاد السائد داخل إسرائيل بأن التفوق التكنولوجي والاستخباري كافٍ لمنع المفاجآت الاستراتيجية. وهذا ما دفع إسرائيل إلى إعادة تقييم عقيدتها الأمنية ومراجعة أداء مؤسساتها العسكرية والاستخبارية.

ثانيًا، انتقال الصراع من سياسة الاحتواء إلى الصراع الوجودي. قبل السابع من أكتوبر كانت إسرائيل تتعامل مع قطاع غزة بمنطق إدارة الصراع واحتوائه، أما بعده فقد تبنت هدفًا معلنًا يتمثل في تغيير الواقع الأمني والسياسي بصورة جذرية، وهو ما أدى إلى حرب طويلة ذات كلفة غير مسبوقة على الطرفين.

ثالثًا، إعادة ترتيب أولويات الإقليم. فقد تراجعت ملفات كانت تتصدر الأجندة الإقليمية، مثل مسار التطبيع، لصالح الملف الفلسطيني، وعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي بعد سنوات من التراجع النسبي، وإن كان ذلك في سياق إنساني وأمني معقد أكثر منه سياسيًا.

رابعًا، توسيع نطاق الصراع جغرافيًا واستراتيجيًا. إذ لم يعد الصراع محصورًا في غزة، بل امتد إلى جبهات متعددة، سواء في لبنان أو البحر الأحمر أو ساحات أخرى، بما عزز مفهوم “وحدة الساحات” من جهة، ورسخ لدى إسرائيل مفهوم مواجهة التهديدات متعددة الجبهات من جهة أخرى.

خامسًا، إعادة تشكيل البيئة السياسية داخل إسرائيل. فقد عمقت الحرب الانقسامات الداخلية، وأثارت نقاشًا واسعًا حول مسؤولية الإخفاق الأمني، ومستقبل القيادة السياسية والعسكرية، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية، وهي أسئلة لا تزال تلقي بثقلها على المشهد الإسرائيلي حتى اليوم.

وقال الشقرة لـ"فلسطين": إن "السابع من أكتوبر لم يغير ميزان القوى بصورة حاسمة، لكنه غيّر قواعد الاشتباك والافتراضات التي حكمت الصراع لعقود. بينما لا تزال النتائج النهائية لهذا التحول مفتوحة على أكثر من سيناريو، ويتوقف مسارها على مخرجات الحرب، والتفاعلات الإقليمية، وقدرة الأطراف على ترجمة الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية.

ولفت إلى أن (إسرائيل) تجد نفسها في حالة استنزاف ممتد، بعد تمدد الحرب إلى لبنان وإيران وجبهة البحر الأحمر، وهو ما فرض عليها توزيع غير مسبوق للموارد العسكرية، وانتقالها من حرب قصيرة وحاسة إلى إدارة صراع طويل، وباتت تطرح أسئلة هل يمكن تحويل التفوق العسكري لواقع أمني وسياسي مستقر بعد ألف يوم.

المصدر / فلسطين أون لاين