عندما اندلعت معركة طوفان الأقصى، فجر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، برز تحول واضح في أساليب إدارة المواجهة لدى كتائب القسام وفصائل المقاومة الفلسطينية، لتنتقل من مرحلة المفاجأة في الأيام الأولى للمعركة إلى استراتيجية الاستمرارية واستنزاف قوات جيش الاحتلال وترسانته العسكرية عبر عمليات متفرقة ومتواصلة في مناطق متعددة من قطاع غزة.
ويرى مراقبون أن المقاومة سعت منذ بداية الحرب إلى توظيف عنصر المفاجأة في تنفيذ عمليات نوعية أربكت جيش الاحتلال وحققت خسائر فادحة في صفوف جنوده، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى نمط يعتمد على الحفاظ على وتيرة الاشتباك، وإدامة الضغط الميداني على مدار عامين من حرب الإبادة.
وتتمثل أبرز ملامح هذا التحول في تنفيذ كمائن مركبة تستهدف قوات الاحتلال المتوغلة، واستخدام العبوات الناسفة ضد الآليات العسكرية، إلى جانب عمليات القنص وإطلاق القذائف المضادة للدروع، فضلًا عن استهداف أرتال الآليات التي تدخل مناطق سبق أن أعلنت السيطرة عليها.
ويشير مراقبون إلى أن هذا النهج يعكس قدرة القسام وفصائل المقاومة على إعادة تنظيم صفوفها ميدانيًا، والاحتفاظ بقدرتها على تنفيذ عمليات هجومية إبّان معركة طوفان الأقصى، رغم حجم الدمار الواسع الذي تعرض له القطاع، والضربات المكثفة التي استهدفت بنيتها العسكرية.
كما اعتمدت المقاومة على المرونة في الانتشار وتبديل مناطق النشاط، وقد أوجدت صعوبات لدى على قوات الاحتلال في تثبيت سيطرته الكاملة، ما جعله عرضة لهجمات متكررة في مناطق مختلفة، بما في ذلك مواقع سبق أن شهدت عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة.
ورأى المراقبون أن استمرار العمليات الميدانية خلال معركة طوفان الأقصى، رغم طول أمدها، يشير إلى اعتماد المقاومة استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، تقوم على استثمار المعرفة الجغرافية بالقطاع، والاعتماد على مجموعات صغيرة تتحرك بمرونة، مع تقليل الاحتكاك المباشر إلا في ظروف تمنحها أفضلية تكتيكية.
ويؤكد مختصون أن هذا النمط من القتال لا يقاس بحجم السيطرة على الأرض بقدر ما يقاس بالقدرة على استمرار العمليات وإبقاء القوات المقابلة في حالة استنفار دائم، وهو ما يجعل الحرب تتحول إلى مواجهة طويلة تعتمد على استهلاك الوقت والموارد والجهد العسكري.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عادل سمارة، أن فصائل المقاومة وبما يتوفر لديها من إمكانات عسكرية لا تقارن بما يملكه جيش الاحتلال من ترسانة متطورة، إلا أنها استطاعت أن تدير معركة طويلة.
وأضاف سمارة لصحيفة "فلسطين"، أن "المقاومة لم تدر معركتها ضد الاحتلال فقط، بل ضد الأنظمة العربية والإسلامية، وحققت انتصارًا كبيرًا في إطار الدفاع عن حقها في التصدي لانتهاكات الاحتلال".
وتابع سمارة: إن "فصائل المقاومة بغزة، لو توفرت لديها إمكانات إضافية لحققت نتائج أفضل في خضّم الحرب"، مؤكدًا أن "المقاومة لن تتوقف، ويجب ألا تتوقف".
وعدّ أن إلقاء اللوم على المقاومة، "يشكل خللاً خطيرًا"، مضيفًا: "الذين يهاجموا المقاومة هم نفسهم من يقفوا إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي".
وفي مقالة مطولة، يرى الكاتب غسان الشامي: أن "ما حدث -معركة طوفان الأقصى- مشاهد عز وافتخار وانتصار على العدو الصهيوني في خوض معركة عسكرية مخططة ومنظمة عبر مقاتلين أقوياء وأكفاء حققت إنجازات عسكرية كبيرة، واستطاع فيها المقاتلون السيطرة على المواقع العسكرية الصهيونية المحاذية لغزة، بل انطلقوا للمدن الصهيونية ضمن استمرار العملية العسكرية البطولية".
وأضاف الشامي في مقالته، أن "عملية طوفان الأقصى لها ما بعدها من إنجازات وهي أولى حلقات تحرير أرض فلسطين عندما يتقدم شباب المقاومة على الخطوط الأولى وعلى كل الجبهات في اقتحام المستوطنات القريبة من غزة، ويقتلون المئات ويأسرون المئات من الجنود الصهاينة ويسيطرون على مواقع عسكرية وعتاد عسكري ويمكثون في المواقع لفترات طويلة ثم ينتقلون إلى معبر (إيرز) الصهيوني ويثخنون في العدو عبر معركة طويلة"

