لم تكن حرب الإبادة على قطاع غزة اختبارًا للمنظومة الصحية فحسب، بل امتحانًا قاسيًا للطواقم الطبية التي وجدت نفسها في مواجهة كارثة إنسانية غير مسبوقة، تعمل تحت القصف، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وانهيار شبه كامل للبنية الصحية. وبين أروقة مستشفيي الشفاء والمعمداني، كانت الممرضة كفاية أبو عاصي شاهدة على واحد من أكثر الفصول قسوة في تاريخ الطب الفلسطيني، إذ تحولت المستشفيات من أماكن للعلاج إلى ساحات صراع بين الحياة والموت.
في قلب هذا المشهد، تبرز قصة كفاية أبو عاصي (26 عامًا)، بوصفها شهادة حية على ما عاشته الطواقم الطبية خلال الحرب. فقبل أن تكمل دراستها الجامعية في تخصص التمريض، وجدت نفسها مدفوعة إلى الخطوط الأمامية لإنقاذ الجرحى، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات العمل الطبي.
كانت كفاية على وشك إنهاء دراستها عندما اندلعت الحرب، ولم تتخيل أن تكون بدايتها المهنية تحت القصف. ومع الأيام الأولى للعدوان، تلقت نداء استغاثة من مجمع الشفاء الطبي بسبب النقص الحاد في الكوادر، في وقت كانت أقسام الطوارئ تستقبل أعدادًا هائلة من الجرحى.
وبعد تردد وخوف شديدين، وافقت عائلتها على التحاقها بالعمل، إيمانًا منها بأن غزة بحاجة إلى كل يد قادرة على إسعاف المصابين. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت كفاية مجمع الشفاء للمرة الأولى، دون أن تدرك أن حياتها ستتغير إلى الأبد.
تقول إن المشهد الذي واجهها فاق كل ما يمكن تخيله؛ ممرات مكتظة بالجرحى، صرخات لا تتوقف، وأطقم طبية تعمل حتى حدود الإنهاك. ولم يكن هناك وقت للتدريب أو التأقلم، فكل دقيقة كانت تعني حياة أو موتًا.
عملت لساعات طويلة تجاوزت أحيانًا 24 ساعة متواصلة، تنام على أرض المستشفى حين يتسنى لها ذلك، وتأكل ما يتوفر من طعام قليل، بينما كان الخوف يلاحق الجميع، ليس فقط من أعداد الإصابات المتزايدة، وإنما من احتمال استهداف المستشفى نفسه.
وتقول: "لم تكن المشكلة كثرة الجرحى فقط، بل فقدان كل مقومات العمل الطبي؛ لا أدوات كافية، ولا أدوية، ولا كهرباء مستقرة، ولا حتى وقت للتفكير. كنا نحاول إنقاذ منظومة تنهار أمام أعيننا دقيقة بعد أخرى."
ومع تصاعد الحرب، تحول الخطر إلى واقع مباشر. ففي أواخر عام 2023، تعرض مجمع الشفاء للاستهداف، وسقطت القذائف في محيطه، واندلعت الحرائق، بينما كانت الطواقم الطبية تسابق الزمن لإجلاء المرضى وإنقاذ من يمكن إنقاذه.
وتستعيد تلك اللحظات قائلة: "لم يعد هناك فرق بين طبيب ومريض، الجميع كانوا تحت التهديد ذاته. كنا نركض بين الدخان والانفجارات، فيما كان سؤال واحد يتردد في أذهاننا: هل ستكون هذه نهايتنا؟"

غادرت كفاية مجمع الشفاء تحت القصف، وانتقلت إلى المستشفى المعمداني، إلا أن الواقع هناك لم يكن أقل قسوة. فقد تفاقم نقص الكوادر بعد نزوح عدد كبير من الأطباء إلى جنوب القطاع، وبقي عدد محدود من العاملين والمتطوعين يواجه تدفقًا مستمرًا للجرحى.
وفي المعمداني، لم يعد المستشفى مكانًا للعمل فقط، بل أصبح مقرًا للحياة بأكملها. كانت الطواقم الطبية تنام داخله، وتأكل فيه، وتبحث بين أروقته عن الماء والطعام، فيما تحولت أبسط مقومات الحياة إلى معركة يومية.
وتقول إن الجوع كان حاضرًا باستمرار، والوجبات لم تكن مضمونة، والمياه لم تكن صالحة دائمًا، فيما كانت الكهرباء تنقطع لساعات طويلة، وتعمل الأجهزة الطبية في الحد الأدنى من قدرتها، بينما استمرت سيارات الإسعاف في نقل المصابين دون توقف.
ومن أكثر المشاهد التي لا تغادر ذاكرتها، وصول أحد المرضى بعد حصار استمر أسبوعين داخل مجمع الشفاء. كان جسده محروقًا، وأطرافه مبتورة، والديدان تنتشر في جروحه، بينما كانت رائحة جسده تعكس حجم المأساة التي عاشها.
تؤكد أن التعامل مع تلك الحالة لم يكن تحديًا طبيًا فحسب، بل امتحانًا نفسيًا بالغ القسوة. وتقول إن الفريق الطبي اضطر للعمل بإمكانات شبه معدومة، في ظل نقص التخدير والمستلزمات الأساسية، بينما كان الشعور بالعجز يفوق أي وصف.
وتضيف أنها كانت ترتدي عدة طبقات من القفازات والملابس الواقية، ليس فقط اتقاءً للعدوى، بل محاولة لخلق حاجز نفسي بينها وبين المشهد، "لكن ذلك لم يكن كافيًا، فالأصعب من رؤية الجروح كان الشعور بأن ما نقدمه أقل بكثير مما يحتاجه المرضى".
وتوضح أن كثيرًا من أفراد الطواقم الطبية كانوا ينهارون بصمت، يبكي أحدهم بعيدًا عن الأنظار، ثم يعود فورًا إلى عمله، لأن مريضًا آخر كان ينتظر المساعدة.
ورغم كل ذلك، بقيت هناك لحظات تمنحهم القدرة على الاستمرار؛ نظرة امتنان من ناجٍ، أو يد مريض تمسك بيد ممرضة، أو طفل يستعيد وعيه بعد ساعات من الغيبوبة، وهي لحظات، كما تقول، كانت كافية لتجدد فيهم الإصرار على مواصلة رسالتهم.
وفي إحدى أكثر التجارب تأثيرًا في حياتها، اضطرت كفاية في الأيام الأولى للحرب إلى إجراء عملية ولادة داخل مدرسة تؤوي نازحين في حي الزيتون. لم تكن تملك سوى قفازين ومقص، ولا خبرة كافية، لكنها نجحت في توليد طفلة سليمة وربط الحبل السري بأدوات بدائية، في مشهد جسّد قدرة الطواقم الطبية على إنقاذ الحياة رغم انعدام الإمكانات.
لاحقًا، تخرجت كفاية من جامعة الإسراء، إلا أن فرحتها لم تكتمل، بعدما دُمرت الجامعة خلال الحرب، وأصبح التخرج بالنسبة إليها شهادة على الصمود أكثر منه احتفالًا أكاديميًا.
واليوم، تواصل عملها في قسم الغيارات والحروق بالمستشفى المعمداني، إلى جانب أقسام الاستقبال والجراحة، حاملة معها ذاكرة مثقلة بمشاهد الألم والإنهاك، لكنها تؤمن بأن رسالتها الإنسانية أكبر من الخوف.
وتختتم شهادتها بالقول: "لم يعد الخوف شعورًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من يومياتنا. تعلمنا أن نعمل ونحن نخشى الموت، لكننا لم نتوقف عن محاولة إنقاذ الحياة."
ولا تمثل قصة كفاية أبو عاصي تجربة فردية، بل تختصر حكاية جيل كامل من الأطباء والممرضين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة انهيار غير مسبوق للمنظومة الصحية في غزة، بينما ظلوا يتمسكون برسالتهم الإنسانية، ويحاولون إبقاء شعلة الحياة متقدة، ولو للحظات إضافية.

