فلسطين أون لاين

بعد ألف يوم من الحرب

خبير عسكري لـ"فلسطين": "إسرائيل" أخفقت في تحقيق أهدافها والمقاومة فرضت معادلات جديدة

...
صورة أرشيفية
غزة- عمان/ علي البطة:

بعد ألف يوم من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلفت دمارا هائلا وأعداد غير مسبوقة من الشهداء والجرحى، يرى الخبير الأردني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية نضال أبو زيد أن حصيلة المواجهة، من منظور عسكري واستراتيجي، تكشف اتساع الفجوة بين الأهداف التي أعلنها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند بدء الحرب والنتائج التي انتهت إليها على الأرض.

ويقول أبو زيد لصحيفة "فلسطين": إن جيش الاحتلال الإسرائيلي نجح في تحقيق أهداف تكتيكية تمثلت في التدمير الواسع للبنية التحتية في غزة، واستهداف قيادات ومواقع للمقاومة، لكنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة، وفي مقدمتها القضاء على المقاومة بوصفها قوة عسكرية فاعلة في غزة.

ويشير إلى أن المقاومة، رغم استشهاد عدد كبير من قادتها والخسائر التي لحقت ببنيتها، واصلت تنفيذ عمليات ميدانية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية، وحافظت على قدر من فاعليتها التنظيمية والقتالية، معتمدة على بنية لامركزية وقدرة على إعادة التموضع والتكيف مع تطورات الميدان.

ويضيف أن هذه المعطيات دفعت جيش الاحتلال إلى مراجعة أساليب قتاله، والانتقال تدريجيا من العمليات البرية التقليدية إلى عمليات أكثر انتقائية تستند إلى الجهد الاستخباري، الأمر الذي يجعل تجربة غزة، برأيه، واحدة من أبرز الحروب التي ستخضع للدراسة في الأكاديميات العسكرية، لما أفرزته من تحولات في مفاهيم القتال داخل البيئات الحضرية، وحدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة أنماط تنظيمية غير تقليدية.

العقد القتالية وتفكك مركزية المواجهة

ويقول أبو زيد، إن أبرز ما ميز أداء المقاومة خلال الحرب هو اعتمادها على نموذج "العقد القتالية"، وهو نمط تنظيمي يقوم على وحدات صغيرة مترابطة تعمل باستقلالية نسبية، ما يجعل استهداف القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار البنية القتالية. ويضيف أن هذا النموذج أربك جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يفترض أن الضربات على مراكز القيادة ستؤدي إلى شلل ميداني سريع.

ويشير إلى أن هذا النمط سمح للمقاومة الفلسطينية بالاستمرار في تنفيذ عملياتها، وإعادة تشكيل نفسها ميدانيا وفق المتغيرات، حتى في ظل بيئة شديدة التدمير والضغط العسكري المستمر.

ويرى أبو زيد، أن جيش الاحتلال اضطر خلال الحرب إلى تعديل عقيدته الميدانية، بعدما واجه صعوبات في حسم المعركة عبر العمليات البرية الواسعة. ويضيف أن الانتقال إلى الضربات الدقيقة والعمليات المعتمدة على المعلومات الاستخبارية يعكس إدراكا بأن القتال التقليدي في غزة لم يعد يحقق النتائج المرجوة.

ويؤكد أن هذا التحول يعني عمليا انتقالا من "حرب الحسم السريع" إلى "حرب الاستهداف البطيء"، وهو ما ساهم في إطالة أمد المواجهة دون تحقيق حسم استراتيجي واضح.

ويشدد أبو زيد على أن طبيعة قطاع غزة الحضرية والكثافة السكانية العالية لعبت دورا مهما في تشكيل مسار الحرب، إذ حدت من فاعلية القوة البرية الثقيلة، وأجبرت جيش الاحتلال على العمل في بيئة معقدة من الأنفاق والمباني المدمرة.

ويقول إن هذه البيئة وفرت للمقاومة هامش حركة نسبي، رغم شدة القصف، وجعلت من السيطرة الميدانية الكاملة هدفا شديد التعقيد من الناحية العملياتية.

ويعيد الخبير العسكري التذكير بحجم الضربات التي وجهتها المقاومة لقوات الاحتلال، والتي كبدت الاحتلال خسائر فادحة ليس في الأليات وناقلات النمر والدبابات وإنما أيضا في ضرب دبابات الميركفاه، فخر الصناعة العسمرية الاسرائيلية التي أهانتها المقاومة في غزة.

استنزاف متبادل ودروس مفتوحة

وبحسب أبو زيد فإن الحرب، بعد ألف يوم، يمكن وصفها بأنها نموذج لحرب استنزاف طويلة الأمد، أثرت على القدرات العسكرية والاقتصادية والنفسية للاحتلال الاسرائيلي، وأنتجت دروسا عسكرية مهمة تتعلق بحدود القوة الجوية للاحتلال، وصعوبة الحسم في الحروب الحضرية، وأهمية التنظيم اللامركزي.

ويضيف أن أبرز ما ستكشفه السنوات المقبلة هو كيف ستعيد الجيوش الحديثة تقييم مفاهيم القتال التقليدي، في ظل تجربة أظهرت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الحسم السياسي أو الاستراتيجي.

المصدر / فلسطين أون لاين