فلسطين أون لاين

تقرير الطبيب عدنان البرش.. اعتقل بمعطفٍ أبيض وقُتل تعذيبًا وقهرًا في سجون الاحتلال

...
الطبيب الشهيد عدنان البرش
غزة/ عبد الله التركماني:

لم يكن الطبيب عدنان البرش يحمل سوى سماعته الطبية وقفازاته البيضاء حين كان يتنقل بين أروقة مستشفيات غزة المدمرة، باحثًا عن جسد يمكن إنقاذه من الموت، أو طفل يحتاج إلى عملية عاجلة، أو جريح ينتظر بصيص أمل وسط رائحة الدم والبارود.

كان واحدًا من أبرز جراحي العظام في قطاع غزة، ووجهًا مألوفًا داخل مستشفى الشفاء، فقد عرفه المرضى بابتسامته الهادئة وصوته المطمئن، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام الاحتلال الإسرائيلي، الذي أنهى حياته داخل سجونه بعد أشهر من الاعتقال والتعذيب.

في غزة، لم يكن اسم عدنان البرش مجرد اسم طبيب، بل كان رمزًا لمعنى البقاء الإنساني في قلب الكارثة. فمنذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، رفض مغادرة المستشفيات رغم القصف والحصار والانهيار الكامل للمنظومة الصحية، وظل يتنقل بين مستشفيات الشفاء والإندونيسي والعودة وكمال عدوان لعلاج الجرحى، حتى اعتقلته قوات الاحتلال في ديسمبر/ كانون الأول 2023 في أثناء وجوده في مستشفى العودة، شمالي القطاع.

وبعد أشهر من الاعتقال، أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني استشهاده داخل سجن "عوفر" في 19 أبريل/ نيسان 2024 تحت التعذيب.

سيرة طبيب

وُلد الدكتور عدنان أحمد عطية البرش عام 1974 في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، ونشأ وتربى في أسرة فلسطينية بسيطة عاشت تفاصيل اللجوء والفقر والحصار منذ طفولته، عرف عنه تفوقه الدراسي وهدوء شخصيته، وكان يميل إلى مساعدة الآخرين والاهتمام بالمرضى والمصابين حتى قبل أن يُصبح طبيبًا.

تلقى تعليمه المدرسي في مدارس جباليا، فأنهى المرحلة الإعدادية في مدرسة الفالوجا، ثم الثانوية في مدرسة حليمة السعدية، قبل أن يُغادر غزة لاستكمال دراسة الطب في رومانيا، حيث حصل على شهادة الطب من جامعة "ياش" في رومانيا. وبعد سنوات من الدراسة والتخصص، نال البورد الأردني والبورد العربي في جراحة العظام، لينال بعدهما الزمالة البريطانية في جراحة الكسور المعقّدة في لندن. لم تتوقّف مسيرة تحصيله للعلم عند هذا الحدّ، بل نال الماجستير في العلوم السياسية من جامعة الأزهر، ثمّ عاد ليزاول مهنته في غزة.

25217d1e-c6b9-44a6-9065-2a81757e14e5.jfif
 

عمل البرش استشاريًا ورئيسًا لقسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، أكبر مستشفيات قطاع غزة، واشتهر بقدرته على التعامل مع الإصابات المعقدة التي خلفتها الحروب الإسرائيلية المتكررة. وخلال سنوات عمله، أجرى مئات العمليات الجراحية، وساهم في تدريب أطباء شبان، بينما كان يُصر دائمًا على أن الطب في غزة ليس مجرد مهنة، بل "رسالة نجاة" لشعب يعيش تحت الحصار.

ومع بدء حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تحول البرش إلى أحد أبرز الوجوه الطبية التي بقيت داخل المستشفيات المحاصرة. وعندما اقتحم جيش الاحتلال مستشفى الشفاء، انتقل إلى مستشفى كمال عدوان ثم مستشفى العودة، مواصلاً إجراء العمليات رغم النقص الحاد في الأدوية والتخدير والكهرباء. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2023، اعتقلته قوات الاحتلال من داخل مستشفى العودة، بعد أن أفادت شهادات بأنه رفض مغادرة غرفة العمليات أثناء علاج الجرحى.

تلبية نداء الواجب

يقول يزن، الابن الأكبر للطبيب البرش لصحيفة "فلسطين"، إن والده لم يكن يرى نفسه بطلاً، بل طبيبًا يؤدي واجبه الطبيعي تجاه الناس، حتى في أحلك الظروف.

ويضيف: "منذ بداية الحرب، كان والدي يخرج كل صباح وهو يعلم أنه قد لا يعود. كنا نطلب منه أن يبقى معنا، خاصة بعدما اشتد القصف حول المستشفيات، لكنه كان يتساءل دائمًا: كيف أترك الجرحى وحدهم؟ من سيعالج الأطفال؟ كان يشعر أن مغادرته للمستشفى خيانة لرسالته الإنسانية".

ويتابع يزن: "في الأيام الأخيرة قبل اعتقاله، كان بالكاد ينام. كان يعمل لساعات طويلة داخل غرف العمليات، وأحيانًا يجري عمليات جراحية دون كهرباء كافية أو أدوات مناسبة. أتذكر أنه اتصل بنا ذات ليلة، وقال: إن الأطباء باتوا يضطرون لاتخاذ قرارات قاسية جدًا بسبب كثرة الإصابات وقلة الإمكانيات، لكنه رغم ذلك لم يفكر أبدًا بالانسحاب".

ويضيف يزن، أن "العائلة فقدت الاتصال به بعد اعتقاله من مستشفى العودة، كنا نسمع أخبارًا متضاربة عنه، مرة يقولون إنه في سجن النقب، ومرة في عوفر، ثم في عسقلان. لم يسمح لنا الاحتلال بمعرفة حالته أو التواصل معه. عشنا شهورًا من القلق والرعب كانت أمي خلالها تستيقظ كل ليلة وهي تبكي خوفًا عليه".

"ثم جاء الخبر الأصعب، قيل لنا: إن والدي استشهد تحت التعذيب داخل سجون الاحتلال، لم نستوعب الأمر. كيف يمكن أن يُقتل طبيب قضى حياته وهو ينقذ الناس؟ والدي لم يحمل سلاحًا يومًا، كان يحمل حقيبة إسعاف فقط"، يكمل يزن.

ويصف يزن والده بأنه كان حنونًا جدًا داخل البيت رغم انشغاله الدائم: "كان يحب الجلوس معنا بعد العمل رغم تعبه الشديد. كان يسألنا عن دراستنا، ويحاول أن يضحك معنا حتى في أصعب الأوقات. أكثر ما يؤلمني أن إخوتي الصغار ما زالوا ينتظرون عودته. ابنتي الصغيرة كانت تقول دائما: جدي سيعود عندما تنتهي الحرب".

ويختم حديثه قائلاً: "أشعر بالفخر لأن والدي بقي في خدمة شعبه حتى اللحظة الأخيرة، لكنه فخر ممتزج بوجع لا يوصف. الاحتلال لم يقتل شخصًا عاديًا، بل قتل طبيبًا كرس حياته لإنقاذ الآخرين. ما حدث لوالدي ليس مجرد قصة استشهاد، بل جريمة يجب أن يعرفها العالم كله".

إبادة ممنهجة

وأثار الإعلان عن استشهاد الطبيب عدنان البرش موجة غضب واسعة داخل غزة وخارجها، خاصة في الأوساط الطبية والحقوقية، حيث اعتبر كثيرون أن مقتله يُمثل دليلاً إضافيًا على الاستهداف الممنهج للطواقم الطبية الفلسطينية خلال الحرب.

ووصف أطباء في غزة رحيله بأنه "خسارة لا تعوض"، نظرًا لخبرته الكبيرة في جراحة العظام، بينما نعته مؤسسات حقوقية ونقابات طبية عربية ودولية طالبت بفتح تحقيق دولي في ظروف اعتقاله واغتياله داخل سجون الاحتلال. كما تحولت صورته بمعطفه الأبيض إلى رمز إنساني تداولته منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، باعتباره طبيبًا بقي إلى جانب مرضاه حتى النهاية.

وفي غزة، ترك خبر استشهاد الطبيب عدنان البرش، أثرًا نفسيًا عميقًا بين المرضى والأطباء والنازحين الذين عرفوه عن قرب. كثيرون رأوا في رحيله اختصارًا لمأساة طبيب حاول إنقاذ الأرواح وسط حرب مدمرة، فانتهى به المطاف شهيدًا داخل السجن.

WhatsApp Image 2026-07-02 at 11.12.17 AM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين