في اليوم الألف للحرب على غزة، لا يبدو السؤال: ماذا جرى؟
السؤال الأثقل هو: ماذا بقي؟
بقيت أمّ تبحث عن ماء يكفي للشرب لا للغسل.
وبقي أب يقيس نهاره بسعر ربطة الخبز لا بساعات العمل.
وبقي طفل يعرف أسماء الخيام أكثر مما يعرف أسماء الفصول الدراسية.
وبقيت مدينة كاملة معلّقة بين حرب لا تعلن نهايتها، وتعافٍ لا يجد طريقه إلى الأرض.
هذه ليست “مرحلة ما بعد الحرب” كما يحب بعض الوسطاء والدبلوماسيين أن يسمّوها. غزة، بعد ألف يوم، لا تعيش سلامًا، ولا تعيش حربًا مفتوحة بالشكل القديم. إنها تعيش منطقة رمادية قاسية: لا سلم ولا حرب.
القصف تراجع عن ذروته، لكنه لم يختفِ.
الدبابات لا تتقدم كما في الأشهر الأولى، لكنها ترسم خطوطًا جديدة.
والناس لا يموتون فقط تحت النار، بل تحت ثقل الانتظار، والجوع، والنزوح، وتعثر الإعمار، وغياب الأفق.
هذه هي الخلاصة المركزية في قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي لغزة بعد ألف يوم: لم يحدث انتقال طبيعي من الحرب إلى التعافي، بل استمرار لاستنزاف طويل يطال البنية الاجتماعية والنفسية والسياسية للمجتمع. فالقطاع لم يدخل “ما بعد الحرب” بالمعنى التقليدي، بل يعيش حالة مركبة تجمع بين وقف إطلاق نار هش، واستنزاف أمني وإنساني، وتعثر إعادة الإعمار، واستمرار الحصار، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
الأرقام وحدها لا تكفي، لكنها تفتح الباب لفهم المشهد.
بحسب معطيات صحفية وحقوقية حديثة، زاد عدد الشهداء الفلسطينيين في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على 73 ألف شهيد، معظمهم من المدنيين، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة التي تنقلها. كما أظهر تقرير صادر عن لجنة تحقيق دولية تابعة لمجلس حقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 20,179 طفلًا استشهدوا بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و7 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي نحو 30% من إجمالي الضحايا خلال تلك الفترة.
لكن الصدمة لا تقف عند زمن الحرب المفتوحة.
فمنذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتوقف النزيف. وحتى أواخر يونيو/حزيران 2026، أفادت وزارة الصحة بأن 1,054 فلسطينيًا، كثير منهم مدنيون، استشهدوا في غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
أي وقف إطلاق نار هذا الذي يضيف أكثر من ألف شهيد إلى سجل الحرب؟
في غزة، لم تعد الكلمات تعني ما كانت تعنيه.
“الهدنة” لا تعني الأمان.
“الإعمار” لا يعني عودة البيوت.
“المساعدات” لا تعني الكفاية.
و“اليوم التالي” لم يأتِ بعد، رغم مرور ألف يوم.
في الشمال، وفي الوسط، وفي الجنوب، يعيش معظم سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.1 مليون إنسان في حالة نزوح أو انعدام استقرار. وتشير أوتشا إلى أن ملايين الفلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال في ظروف تمسّ كرامتهم بفعل ممارسات قسرية وانقسامات سياسية، فيما تؤكد تقاريرها المتتابعة استمرار هشاشة الوضع الإنساني في غزة.
هنا يتحول البيت من ذاكرة إلى سؤال.
والحيّ من مكان إلى صورة في الهاتف.
والجيران من شبكة أمان إلى ناس تفرّقوا بين خيمة ومدرسة مهدمة وممر ضيق ومكان لا يصلح للحياة.
النزوح لم يكن انتقالًا من مكان إلى مكان. كان تفكيكًا بطيئًا للمجال الاجتماعي. العائلة لم تفقد الجدران فقط، بل فقدت المدرسة، والسوق، والشارع، والمسجد، والجار، وطريق العودة.
وهذا ما يجعل أثر الحرب أعمق من الدمار المرئي؛ لأنها لم تهدم الحجر وحده، بل أربكت العلاقات، وبدّلت الأولويات، وأعادت تشكيل معنى المجتمع نفسه.
قبل الحرب، كان الغزي يسأل عن السياسة، والانقسام، والحصار، وفرص العمل، والمستقبل. بعد ألف يوم، صار السؤال اليومي أبسط وأقسى:
أين أجد ماءً؟
كيف أوفر الدواء؟
متى تصل المساعدة؟
أين أنام الليلة؟
هل يعود أولادي إلى التعليم؟
وهل يمكن أن تمر ليلة واحدة دون خوف؟
هذا التحول لا يعني أن الهوية الوطنية تراجعت. العكس أقرب إلى الحقيقة. الهوية لم تختفِ، لكنها اتسعت. لم تعد تختصر فقط في مفردات الصمود والمقاومة والتحرير، بل صارت تشمل أيضًا الحق في الحياة الكريمة، والحق في البيت، والحق في التعليم، والحق في الماء، والحق في العلاج، والحق في أن يعيش الفلسطيني إنسانًا لا رقمًا في خبر عاجل.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الثقة باعتبارها المورد الأكثر ندرة.
الثقة بالمؤسسات تراجعت لأن الفجوة بين الوعود والواقع اتسعت.
الثقة بالمجتمع الدولي تعرضت لضربة عميقة لأن الحماية لم تصل.
والثقة بين الناس نفسها صارت تحت ضغط الندرة والتعب وطول الانتظار.
لكن، رغم ذلك، لم ينكسر كل شيء.
ما زالت العائلة الممتدة تحمل ما تستطيع.
وما زالت شبكات الجيرة تصنع بدائل صغيرة.
وما زالت المبادرات المحلية تحاول سدّ فراغ المؤسسات.
وما زال الناس يبتكرون طرقًا للبقاء، حتى حين يبدو البقاء نفسه مهمة يومية مرهقة.
الخطر الأكبر اليوم ليس في انهيار مفاجئ للمجتمع، بل في تآكل بطيء لرأس المال الاجتماعي: أن يعتاد الناس غياب العدالة، وأن يتراجع التضامن تحت ضغط الحاجة، وأن تتحول النجاة الفردية إلى نمط حياة اضطراري.
في غزة صعدت “الفردية الاضطرارية” لا كفكرة ثقافية، بل كآلية بقاء: كل فرد يحاول حماية أسرته أولًا، والبحث عن طعامها أولًا، وتأمين خيمتها أولًا، لأن البيئة كلها تدفعه إلى ذلك.
هنا تبدأ السياسة من كيس الطحين.
ومن نقطة الماء.
ومن خيمة النزوح.
ومن قائمة الانتظار أمام العيادة.
ومن طفل انقطع عن المدرسة.
حتى الماء صار معركة يومية. حذّرت “يونيسف” عبر أوتشا من أن عائلات غزة تجد نفسها أمام مفاضلة قاسية بين الشرب والنظافة والوقاية من الأمراض، فيما تشير بيانات ميدانية إلى أن معظم الأسر لا تستطيع تلبية الحد الأدنى البالغ 6 لترات فقط من مياه الشرب والطبخ للفرد يوميًا، مع تراجع إنتاج المياه بنحو 20% في مايو/أيار مقارنة بشهرين سابقين.
أما الصحة العامة، فهي بدورها مرآة للانهيار الخدمي. فقد شكّلت الأمراض المعدية 20% من الاستشارات المسجلة في نظام الإنذار المبكر لمنظمة الصحة العالمية في غزة بين 26 أبريل/نيسان و30 مايو/أيار، وسط تصاعد أمراض الجهاز التنفسي والجلدية والإسهالات المائية.
هذا هو الوجه غير المرئي للحرب:
ليست الغارة فقط.
إنها المياه الملوثة.
والصرف الصحي المعطل.
والنفايات المتراكمة.
والمدرسة التي صارت مأوى.
والمستشفى الذي يعمل فوق طاقته.
والطفل الذي ينتظر علاجًا كما ينتظر خبرًا من المستقبل.
ثم يأتي سؤال الإعمار.
الإعمار في غزة ليس مشروعًا هندسيًا أو تمويليًا فقط. إنه اختبار سياسي ونفسي واجتماعي. وفي كثير من تفاصيله، تحوّل إلى أداة ضغط وابتزاز. كل حجر لا يُرفع يعني أن الحرب لم تخرج من حياة الناس. وكل بيت لا يُبنى يعني أن العائلة لا تزال معلقة. وكل حيّ لا يعود يعني أن الذاكرة نفسها تبقى تحت الركام.
تقديرات التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي رفعت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة إلى نحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال أول 18 شهرًا لاستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم التعافي الاقتصادي.
لكن السؤال: من يملك الإرادة السياسية قبل المال؟
بعد ألف يوم، تبدو غزة كأنها تختبر العالم لا العكس. تختبر صدقية القانون الدولي. تختبر معنى وقف إطلاق النار. تختبر قدرة الفلسطينيين على حماية مجتمعهم من الاستنزاف. وتختبر قدرة السياسة على أن ترى الإنسان لا الملف فقط.
المشهد الكامل اليوم يقول إن غزة لم تنكسر، لكنها تُستنزف.
لم تفقد هويتها، لكنها تعيد تعريفها تحت الضغط.
لم تدخل التعافي، لكنها لم تسلم نفسها للفوضى.
لم تعد كما كانت، لكنها لم تصبح كما يريد لها الاحتلال: مساحة مفرغة من الناس، والذاكرة، والتشبث بالبقاء.
بعد ألف يوم، ليست غزة مجرد مدينة مدمرة.
إنها مجتمع يحاول أن يحافظ على نفسه من التفكك.
وذاكرة تحاول أن تنجو من التبديد.
وقضية وطنية ترفض أن تُختصر في كرتونة مساعدات.
وحياة يومية صغيرة تقاوم كي لا تتحول الحرب إلى قدر دائم.
في اليوم الألف، لا يحتاج أهل غزة إلى من يقول لهم إنهم صامدون.
هم يعرفون ذلك أكثر من الجميع.
ما يحتاجونه هو أن يتوقف اختبار البقاء.
أن يصبح وقف إطلاق النار وقفًا للقتل فعلًا.
أن يتحول الإعمار من وعد إلى طريق مفتوح.
أن تعود المدرسة مدرسة، والبيت بيتًا، والبحر بحرًا، والليل وقتًا للنوم لا للترقب.
بعد ألف يوم، السؤال لم يعد: كيف صمدت غزة؟
السؤال الحقيقي هو: كم يستطيع العالم أن يواصل مشاهدة هذا الصمود وهو يتحول، يومًا بعد يوم، إلى استنزاف مفتوح؟

