قائمة الموقع

صمود على حافة الاقتلاع: استهداف حي البستان والعبث بديموغرافيا سلوان

2026-07-02T09:19:00+03:00
استهداف ممنهج لحي البستان في القدس
فلسطين أون لاين

على بعد 300 متر من السور الجنوبي للمسجد الأقصى، يقف حي البستان في قلب بلدة سلوان، شاهدًا على واحدةٍ من أقسى الهجمات التهويديّة في القدس المحتلة، إذ يُعدّ الحي واحدًا من أكثر الأحياء المقدسية تعرضًا للاستهداف خلال الأشهر الماضية. ولا يشكل العدوان على الحي إلا جزءًا من خريطة الاستهداف الكبرى، التي تتعرض لها بلدة سلوان، فالبلدة التي تضم بين جنباتها 12 حيًا ويقطنها نحو 60 ألف مقدسي، تترصد سلطات الاحتلال ستة من هذه الأحياء بالتهجير، وإحداث تغييرات ديموغرافية في بنيتها، ويُشكل حي البستان أحد هذه الأحياء المستهدفة، ولكن موقعه وقربه من الأقصى يضيف إلى الهجمة الاستيطانية التي يتعرض لها أبعادًا جديدة، خاصة أنه يشكل حلقة الوصل الجغرافية بين أحياء بطن الهوى ووادي حلوة ووادي الربابة ووسط سلوان. ونسلط الضوء في هذا المقال على العدوان على الحي، وأبرز التطورات الماضية، والذرائع القانونية التي تستخدمها أذرع الاحتلال.

حجم الاستهداف: من الهدم إلى المصادرة

شهدت الأسابيع الماضية تصاعدًا ممنهجًا في استهداف عقارات الفلسطينيين في حي البستان، إذ تُشير المصادر الفلسطينية إلى أن سلطات الاحتلال هدمت 54 منزلًا في الحي، من أصل 120 منزلًا كانت قائمة، وهو ما أدى إلى انخفاض عدد المنازل المتبقة إلى نحو 66 منزلًا فقط، وتُشير المعطيات إلى استفادة الاحتلال من حرب الإبادة في قطاع غزة، ليمضي قدمًا في مخططاته التي تستهدف الحي، فتزامن مع حرب الإبادة هدمت سلطات الاحتلال أكثر من نصف المنازل المهدمة، والتي وصلت إلى نحو 37 منزلًا هُدمت منذ اندلاع حرب الإبادة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، في سياق المضي قدمًا بمخططاته الاستيطانية، في ظل الانشغال العالمي بالحرب. ولم تقف آثار عمليات الهدم عند انخفاض أعداد المنازل فقط، فقد أدت كذلك إلى تراجعٍ في عدد السكان، حيث انخفض عددهم من 1500 نسمة إلى نحو 1420، أي أن نحو 80 فلسطينيًا اضطروا للمغادرة، بحسب الناشط الحقوقي المقدسي فخري أبو دياب.

ولم يقتصر التصعيد على استهداف منازل المقدسيين، بل امتدت إلى الأراضي، ففي بداية العام الجاري 2026 سلّمت بلدية الاحتلال أوامر لأصحاب أراضٍ في الحي تنذرهم بمصادرة نحو 6 دونمات و900 متر مربع، بذريعة "تنسيق حدائق وإقامة مواقف سيارات"، ووصفت هذه الأراضي بـ"الخالية"، رغم أنها في الحقيقة أراضٍ كانت قائمة عليها منازل الأهالي قبل أن تهدمها آليات الاحتلال، ما يفاقم خسارة الفلسطينيين، ويفتح المجال أمام الاحتلال ليمضي قدمًا في استهداف الأراضي بعد هدم المنازل المقامة عليها. وتزعم بلدية الاحتلال أن الاستخدام سيكون "مؤقتًا" لخمس سنوات، غير أن سكان الحي يدركون أن هذه الصياغة ليست سوى غطاء قانوني لمصادرة دائمة، خصوصًا في ظل مشروع استيطاني واضح المعالم يستهدف الحي بأكمله. وإلى جانب الهدم والمصادرة، تعمل أذرع الاحتلال على تشديد القبضة الإعلامية على المنطقة، عبر إعاقة عمل الصحفيين ومراكز التوثيق، في محاولة لطمس حجم الجريمة المرتكبة بحق الحي وسكانه.

قانون "كامينتس": الغطاء القانوني للهدم

وفي وجود هذه الهجمة الاستيطانية الشرسة، من المهم تسليط الضوء على السياقات القانونية التي تستند عليها سلطات الاحتلال، حيث يستند جزء كبير من حملة الهدم في البستان إلى قانون "كامينتس"، والذي أقرّه "الكنيست" في تشرين الأول/أكتوبر 2017، الذي تلطى خلف ذريعة "محاربة البناء غير المرخص"، في حين كان هدفه الفعلي محاصرة التمدد العمراني الفلسطيني. فبموجب هذا القانون، تضاعفت مخالفات البناء غير المرخص ست أضعاف، ومُنح مفتشو البناء التابعون لبلدية الاحتلال صلاحية كاملة لتحرير مخالفات بمئات آلاف الشواكل من دون الحاجة إلى اللجوء للمحكمة، التي سُحبت منها صلاحية تأجيل تنفيذ أوامر الهدم. والأخطر أن هذا القانون يُطبَّق بأثر رجعي، إذ تسلّم أصحاب منازل قديمة، بُنيت قبل صدور القانون، أوامر هدم تندرج ضمن إطاره، ما يعني غياب أي مسار قانوني يُمكن من خلاله تأجيل الهدم أو إيقافه.

أسطورة "بستان الملك" وذريعة "حديقة داود"

على غرار ما جرى في حي وادي حلوة، الذي حولته جمعية "إلعاد" الاستيطانية إلى "مدينة داود"، تسعى سلطات الاحتلال إلى قضم حي البستان، وإقامة مشاريع استيطانية، حيث تدّعي بأن أراضي الحي كانت "بستانًا للملك داود"، في محاولة لفرض الرواية التوراتية على جغرافيا المنطقة، واللافت أن بلدية الاحتلال لا تملك في هذا الحي أي ذريعة تتصل بنزاع على الملكية أو بوجود استيطاني سابق يمكن البناء عليه، ما جعل الأسطورة الدينية ذريعةً لتمرير تهجير الفلسطينيين. وتُشير المصادر الفلسطينية إلى سعي سلطات الاحتلال تمديد "الحديقة القومية" القائمة في وادي حلوة، لكي تشمل أراضي حي البستان، وإقامة مواقف سيارات تخدم المستوطنين الزائرين للمنطقة، والقاطنين في البؤر الاستيطانية.

حلقة في مخطط أوسع لتطويق الأقصى والبلدة القديمة

لا ينفصل ما يجري في البستان عن مخطط إستراتيجي أشمل يستهدف حاميات المسجد الأقصى من جهاته الشمالية والشرقية والجنوبية، بعدما استُكملت السيطرة على الجهة الغربية إثر نكبة عام 1948. فإلى جانب سلوان، تنسحب المخططات ذاتها على حي الشيخ جراح ووادي الجوز ومنطقة جبل الزيتون، في سياق تطويق شامل للبلدة القديمة من كل الجهات. وتكشف هذه الجغرافيا المترابطة أن استهداف البستان تحديدًا محاولة لاستهداف أقرب المناطق الفلسطينية للمسجد الأقصى، وخطوة لتقليص الكثافة السكانية الفلسطينية في محيط الأقصى.

صمود في مواجهة خطر وجودي

أمام هذا المشهد، تتحدث تقارير ميدانية عن أن ما تقوم به أذرع الاحتلال، من مصادرة أراضٍ بذريعة مواقف السيارات إلى تحويلها لاحقًا لمشاريع استيطانية، ليس سوى مرحلة انتقالية ضمن سياسة إحلالية راسخة سبق أن تكررت في أحياء مقدسية أخرى. وقد دفع هذا الخطر الوجودي أهالي الحي والمتخصصين في شؤون الاستيطان، إضافةً إلى المؤسسات الفلسطينية داخل القدس وخارجها، إلى الدعوة لحراك عاجل يجمع بين المسارات القانونية والإعلامية والميدانية، إسنادًا لأهالي الحي في مواجهة آلة الهدم والتهجير.

وفي المحصلة، يختصر حي البستان، بمساحته الصغيرة نسبيًا التي لا تتجاوز 70 دونمًا، صورة المعركة الدائرة على القدس المحتلة، والتي تتقاطع فيها الجغرافيا بالديموغرافيا، والأسطورة الدينية بالغطاء القانوني، في سياق مشروعٍ إحلاليّ يستهدف تفريغ محيط الأقصى، والمضي قدمًا في مشاريع تثبيت الوجود اليهودي في المسجد، وإنهاء الوجود الإسلامي داخله. وأمام مروحة الاعتداءات هذه، يبقى صمود سكان سلوان، على الرغم من اتساع رقعة الهدم والاستهداف المتصاعد، خط الدفاع الأبرز الذي يُبقي هذه الأحياء، عصيًة على مشاريع الإحلال، ولكن هذا الصمود لن يستمر طويلًا من دون وجود الدعم الفعلي للسكان.

اخبار ذات صلة