قائمة الموقع

الطبيب مدحت محيسن.. رحل في الميدان وبقي رمزًا للعطاء الإنساني

2026-07-01T11:34:00+03:00
الطبيب مدحت محيسن
فلسطين أون لاين

في قطاع غزة، حيث تحولت المستشفيات إلى ساحات مواجهة، والأطباء إلى جنود في معركة إنقاذ الأرواح، سقط الطبيب الفلسطيني مدحت محيسن (61 عامًا) شهيدًا وهو يؤدي رسالته الإنسانية حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن مجرد مسؤول صحي تقلد مناصب قيادية في وزارة الصحة، بل كان نموذجًا للطبيب الذي اختار البقاء إلى جانب المرضى والمسنين رغم الخطر، رافضًا مغادرة المستشفى قبل تأمين سلامتهم. وبرحيله، فقد القطاع الصحي أحد أبرز رجاله الذين ارتبط اسمهم بإدارة الأزمات وخدمة الناس في أصعب الظروف.

في مساء الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عند الساعة الثامنة والنصف، استشهد الطبيب مدحت محمد محيسن إثر استهداف مباشر شنته طائرة حربية إسرائيلية على مستشفى الوفاء للتأهيل في مدينة الزهراء وسط قطاع غزة، وهو المكان الذي لجأ إليه مع عائلته، وقرر البقاء فيه حتى يؤمّن نقل المرضى والمسنين إلى مكان آمن.

ويقول نجله باسل محيسن (27 عامًا): "كنا جميعًا في مستشفى الوفاء عندما استهدف الاحتلال الغرفة التي كان يمكث فيها والدي بشكل مباشر، ورحل وهو يؤدي واجبه كما عاش حياته كلها".

تفاصيل حياته

وُلد الطبيب محيسن في الأول من أبريل/نيسان 1963، ونشأ في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، أحد أكثر أحياء القطاع تعرضًا للعدوان الإسرائيلي. وكان أبًا لأربعة أبناء؛ ولدين وبنتين، غير أن أثره امتد إلى آلاف المواطنين الذين عرفوه خلال مسيرته الطويلة في القطاع الصحي.

بدأ حياته المهنية طبيبًا للأسنان، قبل أن ينتقل إلى العمل الإداري في وزارة الصحة الفلسطينية، حيث تنقل بين عدد من المواقع القيادية، فشغل منصب مدير الرقابة، ثم مدير عام المستشفيات، وبعدها وكيلًا مساعدًا لوزارة الصحة. كما جمع بين عمله الحكومي ورئاسة مجلس إدارة جمعية الوفاء الخيرية.

وتولى كذلك رئاسة لجنة الطوارئ في مدينة غزة خلال جائحة كورونا، ثم خلال حرب الإبادة التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ويقول باسل: "كان بمثابة الأخ الكبير لكل إخوته وأبناء المنطقة، وأي شخص يحتاج إلى مساعدة أو خدمة كان يلجأ إليه مباشرة. كان محبوبًا من الجميع، ولم يكن يرد أحدًا".

ورغم المسؤوليات الكبيرة التي حملها، كانت حياته الشخصية حافلة بالتضحية. ويروي نجله أن العائلة كانت نادرًا ما تجتمع به بسبب انشغاله الدائم بالعمل وخدمة الناس.

ويضيف: "كان يقضي معظم وقته في وزارة الصحة ومستشفياتها، وحتى في يومي الإجازة، الجمعة والسبت، كان يمضي أغلب وقته في المسجد بين الصلاة وقراءة القرآن. كنا نفتقد وجوده كثيرًا، لأن حياته كانت مكرسة لخدمة الناس".

وخلال الحروب المتعاقبة على غزة، كان الدكتور مدحت حاضرًا في الصفوف الأولى. ويتذكر باسل موقفًا مؤثرًا خلال حرب عام 2014، عندما كان يشغل منصب مدير عام المستشفيات.

ويقول: "في أحد الأيام استشهدت ابنة خالي وزوجها، فجاء والدي إلى المنزل لتعزية العائلة، وبعد ساعات استشهد جدي وأبناء خالي، فعاد مرة أخرى للمواساة، وفي اليوم التالي استشهد ابن عمي، فعاد مجددًا، ثم رجع مباشرة إلى عمله في المستشفى. ورغم كل الأحزان، لم يتوقف عن أداء واجبه".

ومع اندلاع حرب الإبادة عام 2023، تضاعفت مسؤولياته. وبعد نزوح العائلة من حي الشجاعية في 13 أكتوبر إلى مستشفى الوفاء بمدينة الزهراء، كان يتنقل يوميًا بين مستشفيي الشفاء والوفاء لمتابعة الأوضاع الصحية والإنسانية، بصفته رئيسًا للجنة الطوارئ.

ومع تكدس جثامين الشهداء داخل مستشفى الشفاء وتعذر دفنها بسبب شدة القصف، برز دوره في إيجاد حلول إنسانية عاجلة.

ويقول باسل: "عندما بدأت الجثامين تتراكم في ساحات مستشفى الشفاء، وبدأت بعض الجثامين بالتحلل، كان والدي صاحب فكرة إنشاء أول مقبرة جماعية في منطقة البطش شرقي مدينة غزة. تواصل مع وزارة الأوقاف، وأحضر الجرافات، وبدأ العمل لدفن الشهداء بما يحفظ كرامتهم".

وفي الأسابيع الأخيرة من حياته، انشغل بمهمة أخرى لم تغب عن تفكيره. فقد كان مستشفى الوفاء يضم عشرات المرضى والمسنين غير القادرين على الحركة، فيما كانت المنطقة تتعرض لخطر متزايد.

ويقول نجله: "كان الجميع يطالبه بمغادرة المستشفى، لكنه كان يردد دائمًا: لن أغادر قبل أن أجد مكانًا آمنًا للمسنين وأنقلهم إليه. كان يقول: سأكون آخر من يغادر المستشفى".

وبالفعل، قبل استشهاده بثلاثة أيام، نجح في تأمين مكان بديل لهم داخل مستشفى يافا في دير البلح، وأشرف بنفسه على جميع ترتيبات النقل والتنسيق.

ويضيف باسل: "في اليوم التالي لاستشهاده، نُقل المرضى كما كان قد خطط ورتب لهم بالكامل".

اغتيال ممنهج

ويرى باسل أن استهداف والده لم يكن حادثًا منفصلًا، بل جاء ضمن سياسة ممنهجة لاستهداف الكفاءات الطبية والصحية في قطاع غزة.

ويقول: "الاحتلال لا يحتاج إلى مبررات، فهو يسعى إلى إعادة غزة مئة عام إلى الوراء، ولذلك استهدف القامات العلمية والصحية من أطباء ومديرين وخبراء، في محاولة لتدمير كل مفصل من مفاصل الحياة في القطاع".

وبعد أكثر من عامين على استشهاده، ما زالت ذكرى الدكتور مدحت محيسن حاضرة في قلوب أسرته وزملائه ومرضاه، باعتباره أحد أبرز الوجوه التي كرست حياتها لخدمة الإنسان.

ويختتم باسل حديثه بصوت امتزج فيه الفخر بالحزن: "والدي ترك فراغًا لن يملأه أحد. كان إنسانًا استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عاش خادمًا للناس، ورحل وهو يؤدي رسالته حتى اللحظة الأخيرة".

ويضيف مناشدًا العالم: "نتمنى أن تتوقف هذه المجازر وشلال الدم المستمر في قطاع غزة، وأن يسمع العالم صرخة أهل غزة المكلومين".

اخبار ذات صلة