قائمة الموقع

خليل الحية: "رجل الميدان" على رأس هرم "حماس".. إشارة بليغة لتعافي المؤسسة

2026-07-20T21:02:00+03:00
فلسطين أون لاين

لم يكن انتخاب الدكتور خليل الحية رئيسا للمكتب السياسي لحركة حماس حدثا إجرائيا عابرا في سجل التداول القيادي، بل كان إعلانا سياسيا ذا دلالات عميقة، يقطع الطريق على الرهانات الإسرائيلية التي حاولت طوال سنوات الحرب تصوير الحركة ككيان يتفكك تحت وطأة الاغتيالات.

إن صعود الحية إلى رأس الهرم في هذا الظرف الدقيق هو تجسيد حي لاستمرارية نهج المؤسسين، وإعادة تموضع للحركة في قلب جغرافيا المعركة لا في أروقة السياسة الدولية أو فنادق العواصم البعيدة.

في الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية سياسة الاغتيالات الممنهجة، تبرز حماس لتثبت أن أوراق قوتها لا تكمن في الأشخاص فحسب، بل في مؤسسية صلبة قادرة على التجدد. لقد كان اختيار "الحية" بمثابة رسالة ميدانية حية؛ فالقيادة التي تدير دفة القرار هي ذاتها التي تكتوي بنار الحصار وتتشارك مع الناس أوجاع النزوح والمصير تحت القصف.

إن مسيرة خليل الحية ليست مجرد سجل سياسي أو دبلوماسي، بل هي سيرة ذاتية كتبت فصولها بالدم والصبر في أزقة غزة. فمنذ سنوات طويلة، دفع الحية ضريبة موقعه القيادي بتقديم أربعة من أبنائه شهداء على طريق التحرير، في مشاهد متكررة من الفقد كانت تفتت الصخر، لكنها كانت تزيد القائد ثباتا.

لقد ارتقى أبناؤه: حمزة، وأسامة (الذي ارتقى مع زوجته وأطفاله الثلاثة)، وهمام، وعزام. في كل مرة كان يودع فيها الحية فلذات كبده، كان يخرج ليمسح دموعه ويؤكد أن دماء أبنائه ليست استثناء، بل هي جزء من نسيج التضحية الجماعي الذي يقدمه كل بيت فلسطيني. هذا القائد لم يصعد إلى منصات الخطابة من خارج دائرة النار، بل خرج من بين ركام بيوت غزة المدمرة ليحمل الأمانة، مما يمنحه شرعية القيادة التي لا تشترى بالوعود، بل تنتزع بالتضحية المطلقة.

​لقد أثبت الحية، خلال إدارته لملفات التفاوض المعقدة، أنه يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين "عقلية المقاوم" و"حنكة المفاوض". هو الذي ظل حلقة الوصل الحيوية بين الميدان والقرار السياسي، ضامنا أن لا تغيب البوصلة الوطنية وسط ضجيج التحديات. إن انتخابه يمثل دمجا بين الخبرة السياسية التراكمية، وبين الواقعية الميدانية التي تفرضها ظروف الحرب الشاملة.

إن نجاح حماس في إجراء استحقاقها القيادي بهذه السرية والحرفية وسط أعتى حملة تصفية جسدية، يرسخ واقعا جديدا يتجاوز حدود التنظيم. إن شرعية الدم الممتدة تثبت أن الحركة تستنبت قادتها من رحم الألم، حيث تصبح دماء أبناء القادة الجسر الذي يعبرون عليه نحو سدة المسؤولية، مما يجعل من التضحية صمام الأمان الذي يربط القائد بقاعدته في أقسى الظروف. وبموازاة ذلك، تعيد هذه الخطوة تعريف المؤسسية بوصفها حالة من القدرة على التجدد الذاتي، موجهة صفعة للرهان الإسرائيلي على الفراغ القيادي، ومؤكدة أن الحركة تمتلك جهازا عصبيا لا يتوقف عن النبض مهما طالت أذرع الاغتيال.

كما يمثل هذا الاختيار إعلانا بليغا عن استقلالية القرار الوطني، فبوصلة الحركة تدار اليوم من باطن الميدان لا من خارجه، مما يعزز سيادة الحركة ويحررها من إملاءات السياسة الإقليمية والدولية.

خلاصة القول، إن اختيار خليل الحية هو تكريس لقاعدة "القائد من قلب الحدث". فالحركة التي قادها الياسين وهنية والسنوار، تستمر اليوم بقيادة من جعلوا من أجسادهم وبيوتهم وأبنائهم ساحة للتضحية، لتؤكد أن هذه المسيرة لا تتوقف بموت القادة، بل تزداد رسوخا بتقديم صفوف جديدة من رحم المعاناة.

إننا أمام قائد لا ينتظر انتهاء الحرب ليعلن نصرا، بل يمارس النصر في كل لحظة صمود وثبات على المبدأ، مهما عظمت التضحيات. إن انتخاب الحية هو اعتراف من حماس بأن مستقبلها يرتبط ارتباطا وثيقا بقطاع غزة، وهي رسالة واضحة بأن الموت لا يهزم من تبنى إرادة الحياة لأمته.

اخبار ذات صلة