فلسطين أون لاين

تحليل: الاتفاق اللبناني الإسرائيلي لا ينهي الصراع ومستقبله مرهون بالتنفيذ وموازين القوى

...
إعلان التوقيع على الاتفاق الإطاري بين لبنان و"إسرائيل" في واشنطن
غزة- بيروت/ علي البطة:

لا ينظر إلى الاتفاق بين لبنان وإسرائيل بوصفه مجرد تفاهم أمني لتنظيم الوضع على الحدود الجنوبية، بل بوصفه محطة مفصلية قد تعيد رسم التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة. فبينما يقدم الاتفاق باعتباره مدخلا لخفض التصعيد وتهيئة الظروف لمرحلة أكثر استقرارا، يثير في المقابل تساؤلات بشأن أهدافه الاستراتيجية، ومدى قدرته على فصل الساحة اللبنانية عن بقية ساحات المواجهة.

وبحسب البنود المتداولة، يتضمن الاتفاق إعلان الطرفين السعي إلى إنهاء الصراع ومعالجة أسبابه، والاعتراف المتبادل بحق كل منهما في الوجود بسلام، ومعالجة القضايا العالقة عبر مفاوضات مباشرة بدعم أمريكي.

وينص كذلك على تنفيذ عملية متبادلة تشمل انتشار الجيش اللبناني وانسحابا تدريجيا لقوات الاحتلال الاسرائيلي، وفق ترتيبات أمنية يجري استكمالها في ملحق خاص، إلى جانب تولي الدولة اللبنانية المسؤولية الأمنية في مناطق محددة، وربط إعادة الإعمار وعودة السكان باستكمال المتطلبات الأمنية وآليات التحقق من التنفيذ.

وأثار الاتفاق ردود فعل متباينة داخل لبنان، فقد اعتبره مؤيدوه فرصة لخفض التصعيد واستعادة الاستقرار، في حين أبدت قوى وشخصيات أخرى تحفظات واسعة، انطلاقا من اعتقادها بأن الاتفاق يتجاوز كونه ترتيبا أمنيا مؤقتا ليصبح جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية اللبنانية. كما تركزت التساؤلات حول قدرة الاتفاق على إنهاء ترابط الجبهات المرتبطة بمحور المقاومة، وحول مدى التزام إسرائيل بتنفيذ ما يترتب عليها من انسحابات وإجراءات متبادلة.

محاولة فصل ساحات المواجهة

يرى الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية د. محمد هزيمة، أن الاتفاق يتجاوز مسألة تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان، ليشكل محاولة لإعادة رسم معادلات الصراع في المنطقة عبر فصل الساحة اللبنانية عن بقية الجبهات المرتبطة بمحور المقاومة، بما يسمح بالتعامل مع كل جبهة بصورة منفصلة بدلا من بقاء معادلة وحدة الساحات التي برزت خلال السنوات الأخيرة.

ويعتقد هزيمة أن هذا المسار ينسجم مع رؤية أوسع تستهدف تقليص الترابط بين جبهات لبنان وغزة واليمن والعراق، بحيث يصبح الضغط العسكري والسياسي على كل ساحة منفردة أكثر سهولة، وهو ما يراه جزءا من محاولة لإضعاف منظومة الردع التي تشكلت بفعل ترابط تلك الجبهات خلال المواجهات الأخيرة.

وفي تقديره، فإن الاتفاق لا يضمن بالضرورة إنهاء المواجهة مع إسرائيل، لأن الأخيرة ما زالت تعتمد عقيدة أمنية تقوم على منع تشكل أي مصادر قوة لدى خصومها، وهو ما يجعل أي تفاهم مرحلي خاضعا لتقديراتها الأمنية المتغيرة أكثر من التزامه بنصوص الاتفاق.

ويشير هزيمة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أن آليات التنفيذ قد تمنح إسرائيل هامشا واسعا للمناورة، إذا ارتبط تنفيذ الانسحاب أو الالتزامات الأمنية بتقديراتها الخاصة لمستوى التهديد، الأمر الذي قد يسمح باستمرار وجودها أو تدخلها العسكري تحت ذرائع أمنية مختلفة، حتى في ظل وجود اتفاق سياسي.

استهداف قدرات المقاومة

ويعتبر أن ربط إعادة الإعمار وعودة السكان بملفات أمنية، وفي مقدمتها مسألة السلاح، قد يحول هذه الملفات إلى أدوات ضغط متواصلة، بما يتيح استخدام الجوانب الإنسانية والاقتصادية في التأثير على موازين القوة الداخلية وعلى مستقبل معادلة الردع.

ومن وجهة نظره، فإن الهدف الأبعد يتمثل في تجريد قوى المقاومة تدريجيا من أدوات قوتها العسكرية، باعتبار أن ذلك يشكل أولوية في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، وليس مجرد إجراء مرتبط بالوضع الأمني في جنوب لبنان.

ويرى هزيمة، أن نجاح هذا المسار سيؤدي إلى انتقال الضغوط لاحقا إلى ملفات أمنية أخرى، بحيث لا يتوقف الأمر عند الجنوب اللبناني، وإنما يمتد إلى معالجة بقية مظاهر السلاح خارج إطار الدولة، في سياق إعادة صياغة البيئة الأمنية اللبنانية بصورة شاملة.

وفي المقابل، يشكك في قدرة الاتفاق على إنهاء ترابط ساحات المواجهة، معتبرا أن التطورات الإقليمية أثبتت أن أي تصعيد كبير في إحدى الجبهات ينعكس سريعا على بقية الساحات، وهو ما يجعل فصل المسارات هدفا سياسيا يصعب ترجمته إلى واقع دائم.

ويذهب إلى أن الاتفاق، حتى لو نجح في خفض مستوى الاحتكاك العسكري مؤقتا، فلن يضع حدا للصراع طالما بقيت إسرائيل، بحسب تقديره، متمسكة بسياسة التفوق العسكري وحرية الحركة الأمنية، وهو ما يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطا بمدى الالتزام المتبادل بتنفيذه، وليس بمجرد توقيعه.

إعادة هندسة البيئة الأمنية

أما الباحث العراقي في الشأن العسكري عباس الساعدي، فيرى أن الاتفاق ينبغي قراءته باعتباره محاولة لإعادة هندسة البيئة الأمنية اللبنانية بما ينسجم مع التحولات الإقليمية، وليس مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار أو إعادة انتشار عسكري، إذ يتعلق جوهره بإعادة توزيع موازين القوة وآليات اتخاذ القرار الأمني.

ويشير الساعدي في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أن الهدف المعلن بفصل الساحة اللبنانية عن بقية ساحات الصراع يواجه تحديات استراتيجية كبيرة، لأن البيئة الإقليمية أصبحت تقوم على ترابط الجبهات وتبادل التأثير بينها، وهو ما يجعل أي تصعيد واسع في غزة أو غيرها قادرًا على إعادة تفعيل الجبهة اللبنانية مهما بلغت قوة الترتيبات الأمنية.

ويضيف أن الاتفاق قد يمنح إسرائيل، في حال انخفاض مستوى التهديد على حدودها الشمالية، مرونة أكبر في إعادة توزيع قواتها وتركيز جهودها العسكرية على جبهات أخرى، من دون أن يعني ذلك تغيرا في عقيدتها الأمنية أو تخليها عن سياسة الردع الاستباقي.

ويحذر الساعدي من أن غياب ضمانات واضحة وملزمة لتنفيذ الالتزامات المتبادلة قد يترك مساحة واسعة لاختلاف التفسيرات، بما يسمح باستمرار الاحتلال في تنفيذ العمليات العسكرية أو تأجيل تنفيذ بعض البنود استنادا إلى اعتبارات أمنية يحددها كل طرف وفق رؤيته.

بين النصوص والواقع.. مستقبل الاتفاق

ويرى الساعدي، أن الاتفاق لا ينهي معادلة الردع بقدر ما يعيد تشكيلها، إذ إن نجاحه يتوقف على قدرة الدولة اللبنانية على بناء منظومة أمنية مستقرة، وفي الوقت نفسه على وجود التزام متوازن من جميع الأطراف بتنفيذ ما يترتب عليها، بما يمنع اختلال ميزان القوة لمصلحة طرف واحد.

ويتفق الخبيران على أن مستقبل الاتفاق لن تحدده نصوصه وحدها، بل ستحسمه موازين القوى وآليات التنفيذ على الأرض. كما يشككان بإمكان أن يشكل الاتفاق نهاية للصراع أو حدا للسياسات الأمنية الإسرائيلية، معتبرين أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى الالتزام المتبادل، وفي ما إذا كانت الترتيبات الجديدة ستؤدي إلى استقرار دائم، أم ستتحول إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع وإعادة تشكيل توازناته.

المصدر / فلسطين أون لاين