يمر اليوم الألف على حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، في حين لا تبدو في الأفق مؤشرات حقيقية على تغير المشهد خلال الأسابيع أو حتى الشهور المقبلة. فالحرب مستمرة بأشكال مختلفة، والقتل والتجويع والحصار باتت سياسة يومية، في حين يزداد العالم اعتيادًا على صور المأساة، وكأن الألم الفلسطيني فقد قدرته على الصدمة.
بعد ألف يوم، لم يعد يكفي أن تنتظر غزة تعاطفًا يأتي من نشرات الأخبار أو بيانات الإدانة. فالقطاع المنهك بحاجة إلى استعادة حضوره في ضمير العالم، وإلى إعادة توجيه البوصلة نحو معاناة أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت الحصار، وسط انهيار الخدمات، وانعدام الأمن الغذائي، وتدمير مقومات الحياة.
لقد أصبح مشهد انتظار لقمة الخبز، وانتظار جرعة ماء، وحتى انتظار الموت، هو المشهد اليومي الذي يختزل مأساة غزة. لكن هذا المشهد، على قسوته، لم يعد كافيًا لتحريك الضمير الدولي الذي اعتاد صور الكارثة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مشهد وطني جامع، احتجاجي، يعكس حقيقة ما يعيشه الناس. مشهد يقوده الأطباء الذين يعملون وسط الركام، والأكاديميون الذين فقدوا جامعاتهم، والطلاب الذين سُرقت سنوات تعليمهم، والأرامل اللواتي يتحملن أعباء الحياة وحدهن، والأيتام الذين كبروا على الفقد، والصحفيون الذين يوثقون الموت، والجرحى الذين يحملون آثار الحرب في أجسادهم كل يوم.
إن ألف يوم من الإبادة كافية لتؤكد أن الصمت الدولي لم يعد مجرد عجز، بل أصبح جزءًا من استمرار المأساة. ولذلك، فإن إعادة لفت أنظار العالم ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية ووطنية، حتى لا تتحول غزة إلى كارثة منسية، وحتى لا يصبح استمرار المعاناة أمرًا اعتياديًا في نظر العالم.
بعد ألف يوم... لا تحتاج غزة إلى مزيد من صور الموت، بل إلى صوت جماعي حيّ، يذكر العالم بأن خلف الأرقام بشرًا، وخلف الأنقاض شعبًا ما زال يتمسك بحقه في الحياة والحرية والكرامة.

