لم يكن البكاء هذه المرة صادرًا عن الرجال والنساء فقط، بل سبقهم إليه الأطفال، إذ وقفوا في دائرة صغيرة حول جثمان صديقهم الشهيد وليد يوسف أبو جزر، يتأملون وجهه للمرة الأخيرة، في حين ارتسم الذهول على ملامحهم.
بعضهم ظل ممسكًا بيد الآخر، وآخرون انهمرت دموعهم بصمت، غير قادرين على استيعاب أن الطفل الذي كان يشاركهم اللعب قبل أيام، أصبح محمولًا على الأكتاف في رحلة الوداع الأخيرة.
وبين أصوات النحيب، كانت النساء يودعن الطفل الشهيد بقلوب أثقلها الفقد، فيما خيم الصمت على وجوه الحاضرين، في مشهد اختلطت فيه براءة الطفولة بقسوة الحرب التي لم تترك للعائلات في غزة متسعًا لالتقاط أنفاسها بين وداع وآخر.
واستشهد الطفل وليد متأثرًا بإصابته من جراء قصف إسرائيلي استهدف منطقة مواصي خانيونس، ليلحق بوالده الشهيد يوسف وعمه الشهيد وجيه، اللذين ارتقيا خلال الحرب، لتجد العائلة نفسها أمام جنازة جديدة، بعدما ظنت أن نصيبها من الفقد قد اكتمل.
وفي زاوية أخرى من المشهد، وقفت والدة الشهيد عاجزة عن الاقتراب من جثمان طفلها، حاولت أن تتحدث، لكن الصدمة كانت أكبر من الكلمات، اكتفت بالنظر إليه طويلًا، فيما كانت دموعها تنهمر بصمت، وكأنها تستعيد في لحظة واحدة كل تفاصيل الفقد التي عاشتها منذ استشهاد زوجها.
وبعد لحظات من الصمت والتلعثم، خرجت من بين دموعها كلمات متقطعة تودع بها نجلها، في وداع هو الثاني لها خلال هذه الحرب، بعدما ودعت زوجها الشهيد يوسف قبل أشهر.
كانت تحاول أن تخاطب طفلها للمرة الأخيرة، لكنها لم تستطع سوى البكاء، بينما بقيت نظراتها معلقة بجثمانه، رافضة تصديق أن الحرب اختطفت منها الزوج ثم الابن، وتركتها وحيدة تواجه وجعًا يتجدد مع كل فقد.
وقال أدهم أبو جزر عم الشهيد إن العائلة نزحت إلى مواصي خانيونس اعتقادًا بأنها ستكون أكثر أمنًا، إلا أن القصف طالهم هناك أيضًا، موضحًا أن الأطفال كانوا يلعبون لحظة الاستهداف، قبل أن يتحول المكان إلى ساحة من الدم والركام.
وأضاف لصحيفة "فلسطين" أن أطفال غزة لم يعد لديهم مكان آمن يلعبون فيه، فلا الشوارع آمنة، ولا الخيام، ولا مناطق النزوح التي قيل إنها آمنة، مؤكدا أن استهداف الأطفال بات يتكرر بصورة مأساوية، بينما تعيش العائلات حالة دائمة من الخوف والترقب، في ظل استمرار القصف.
وأشار إلى أن الأسرة فقدت الأب ثم العم، واليوم تودع الطفل وليد، مؤكدًا أن مشاهد الوداع أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية، وأن العائلات لم تعد تجد الوقت الكافي لتضميد جراحها قبل أن تستقبل مصابًا جديدًا.
هياكل فارغة
وقال، بصوت أنهكه الحزن، إنهم أصبحوا من كثرة ما فقدوا من أبناء وأحبة وأقارب، ومن أثر حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة، "هياكل فارغة تمشي على الأرض"، موضحًا أن الألم استنزف كل ما تبقى في نفوسهم من قدرة على الاحتمال، وأنهم يعيشون بأجسادهم فقط، بينما بقيت أرواحهم عالقة عند من فقدوهم.
ووجه نداءً إلى العالم من أجل التحرك لوقف نزيف الدم، مؤكدًا أن أهالي غزة يعيشون مأساة تتفاقم يومًا بعد آخر، وأنهم يشعرون بأن معاناتهم تُشاهد أمام الجميع دون أن تجد استجابة حقيقية توقف مسلسل القتل الذي يمارسه الاحتلال.
وأضاف: "كل يوم نودع طفلًا أو قريبًا أو صديقًا، إلى متى سيبقى هذا المشهد يتكرر؟ نريد أن نعيش كبقية شعوب العالم، لا أن نبقى ننتظر دورنا في الوداع".
ومع انتهاء مراسم التشييع، بقي الأطفال ينظرون إلى النعش حتى غاب عن أنظارهم، قبل أن يعودوا إلى المكان الذي كانوا يلعبون فيه مع وليد، لكنهم عادوا هذه المرة بعد أن فقدوا واحدًا منهم.
وبين دموع أم ودعت زوجها ثم طفلها، وعائلة أنهكتها الخسارات، وأطفال حملوا في أعمارهم الصغيرة ذاكرة أكبر من قدرتهم على الاحتمال، بقيت قصة وليد أبو جزر شاهدًا جديدًا على طفولة تُنتزع من الحياة، وأسرة تواصل دفع ثمن الحرب مرة بعد أخرى.

