في غزة، حيث تتقاطع الحياة الأكاديمية مع واقعٍ قاسٍ فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية، تبرز قصة الأكاديمي والمهندس محمد حسونة بوصفها واحدة من أكثر الخسائر إيلامًا في سجل الكفاءات العلمية الفلسطينية.
استشهد حسونة في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2023، من جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلته في مُخيم النصيرات، وسط قطاع غزة. وترك رحيله صدمة كبيرة في الوسط الأكاديمي، وأصبح اسمه ضمن قائمة الأكاديميين الذين فقدهم قطاع التعليم إبان حرب الإبادة، إذ إنه لم يكن مجرد اسم في قوائم التدريس الجامعي، بل كان جزءًا من بنيةٍ تعليميةٍ حاولت أن تُحافظ على استمرار المعرفة في بيئة تتآكل فيها المؤسسات تحت وطأة الحصار والقصف.
عمل حسونة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إحدى أبرز المؤسسات التعليمية في غزة، وساهم في تطوير برامج التكنولوجيا والعلوم التطبيقية، إضافة إلى أدواره الإدارية والأكاديمية داخل الكلية.
لكن النهاية جاءت على نحو صادم، في لحظة تحوّل فيها المنزل إلى نقطة انهيار عائلية وإنسانية، وسط روايات وشهادات متعددة تتحدث عن حجم الدمار الكبير الذي خلّفه القصف، وتعقيد المشهد الإنساني بعده.
يقدّم رئيس الكلية الجامعية في وسط قطاع غزة زياد الغريز، وهو صديق المهندس حسونة وجاره أيضًا، شهادة تفصيلية تعكس صورة أقرب لحياته قبل رحيله.
مهمات صعبة
يقول الغريز: "إن حسونة كان مثالًا للشخصية القوية التي حاولت باستمرار الموازنة بين العمل الأكاديمي وتقديم خدمات التدريس للطلبة، وبين مسؤولياته تجاه عائلته في ظل الحرب القاسية"، مُشيرًا إلى أنه كان يعيش ضغطًا مزدوجًا بين الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية وبين حماية أسرته في ظروف أمنية ومعيشية شديدة التعقيد".
ويكشف الغريز أن حسونة اتخذ قرارًا إداريًا مهمًا خلال الحرب، يقضي بالحفاظ على مقر الكلية الجامعية في خان يونس، جنوبي القطاع، وتحويله إلى مركز إيواء لموظفي الكلية، بهدف حماية ممتلكات المؤسسة وضمان استمرارها في ظل الانهيار الأمني الذي كان يهدد البنية التعليمية بالكامل.
ويستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة، قائلًا: إنه "أمضى وقتًا مع حسونة حتى ساعات الليل، قبل أن يُفاجأ الجميع بعد صلاة الفجر مباشرة بصوت انفجار عنيف ناجم عن استهداف مباشر لمنزله".
وبحسب روايته، فإن القصف أدى إلى استشهاد حسونة وزوجته وعدد من أفراد أسرته، في حين أن والدته توفيت متأثرة بصدمة عميقة فور تلقيها خبر استشهاد ابنها، فيما نجا 3 من أبنائه من القصف، ما يعني أن الامتداد العائلي ما يزال قائمًا رغم حجم الفقد الكبير.
لكن هذه النجاة المثقلة بالفقد لا تلغي عمق الكارثة الإنسانية التي لحقت بالعائلة، إذ مرّ الأبناء بسلسلة من التحولات القاسية بعد فقدانهم الأب والأم وآخرين، وتولّى عمهم رعايتهم لفترة، قبل أن يُستشهد لاحقًا، ثم انتقلوا للعيش لدى خالهم، في ظل واقع اجتماعي مضطرب فرضته الحرب وتداعياتها.
وتشير الشهادة أيضًا إلى أن زوجة العم -التي أُصيبت في استهداف أدى إلى استشهاد زوجها عادت لاحقًا لرعايتهم، في مشهد يعكس التشابك الإنساني العميق الذي فرضته ظروف الفقد المتكرر داخل العائلات الفلسطينية في غزة.
أثر واسع
داخل الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، كان وقع الخبر شديدًا، فاستشهاد أحد أعضاء الهيئة التدريسية شكَّل خسارة خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة داخل المؤسسة الأكاديمية.
ووفق الغريز، كان حسونة جزءًا من الجهود التي ساهمت في تطوير قسم الحاسوب والتكنولوجيا، وهو أحد التخصصات التي شكّلت ركيزة أساسية في التعليم التقني داخل الجامعة.
ويصفه بأنه "ثروة علمية وإنسانية فقدها قطاع غزة، ليس فقط لما كان يمتلكه من معرفة أكاديمية، بل لما كان يتمتع به من أخلاق عالية، وحكمة في إدارة المواقف، وقدرة على التأثير الهادئ داخل بيئة العمل".
كما يُشير إلى أن استشهاده مثّل خسارة مضاعفة، لأنه جمع بين دوره الأكاديمي ومسؤوليته الإدارية والإنسانية داخل المؤسسة، في وقت كانت فيه الجامعات تحاول الاستمرار رغم الظروف الصعبة والانقطاعات المتكررة.
ولم تنته قصة الأكاديمي حسونة برحيله، بل تمتد إلى ما بعدها؛ إلى أبناء يكبرون وسط الفقد، وإلى مؤسسة تحاول استعادة دورها بعد خسارة أحد رموزها، وإلى سؤال أكبر حول قدرة المجتمع على ترميم ما كسرته وطأة الحرب.