في فجر العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، غادر عمران بكر خيمة النزوح التي كانت تؤوي عائلته في منطقة العطار بمدينة رفح، متجهًا نحو مدينة غزة عبر طريق محفوف بالمخاطر، تاركًا خلفه زوجته وأطفاله الأربعة. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره، وبقيت عائلته معلّقة بين الأمل والخوف، تبحث عن أي معلومة تكشف عن مصيره.
كان عمران، البالغ من العمر 29 عامًا، قد نزح مع أسرته من مدينة غزة إلى رفح هربًا من القصف المتواصل. وهناك، وسط ظروف النزوح القاسية، تراكمت عليه الضغوط النفسية والمعيشية، في وقت كان يحاول فيه إعالة أسرته وتأمين احتياجاتها الأساسية في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
تروي والدته صحر بكر تفاصيل الأيام الأخيرة قبل اختفائه، وتقول لصحيفة "فلسطين": "كان عمران يعيش حالة من الضيق الشديد بسبب الظروف التي كنا نمر بها، وفي أحد الأيام قال إنه لم يعد يحتمل ما يحدث، وإنه سيذهب إلى غزة، وأضاف: إما أن أصل إليها فأعيش، أو أموت في الطريق".
في الليلة التي سبقت فقدانه، توجّه عمران إلى خيمة شقيقه القريبة من مكان إقامة العائلة في العطار، وبات هناك حتى ساعات الفجر الأولى. وقبل مغادرته، جمع بعض ملابسه في كيس صغير، وحمل حذاءه بيده، ثم خرج متجهًا شمالًا.
وقبل رحيله، أوصى زوجته بأطفاله الأربعة، تاركًا كلمات لا تزال عائلته تستعيدها حتى اليوم. وتقول والدته: "قال لزوجته: اعتني بالأطفال، فهم أمانة في عنقك. وعندما تذكرت تلك الكلمات بعد اختفائه شعرت وكأنه كان يودّعهم".
وخلال سيره شمالًا، شاهده عدد من معارفه في منطقة الزوايدة. حاولوا إقناعه بالعودة بعدما أدركوا أنه متجه إلى مناطق شديدة الخطورة، إلا أنه أصر على مواصلة طريقه.
وتضيف والدته: "أخبرني من شاهده أنه طلبوا منه الرجوع لأن الطريق كان خطيرًا، لكنه رفض وقال إنه متجه إلى غزة".
كانت تلك آخر الشهادات المؤكدة عنه، إذ واصل سيره باتجاه تبة النويري، وهي منطقة كانت تشهد في ذلك الوقت عمليات عسكرية مكثفة، وهناك انقطعت أخباره تمامًا.
لم يكن عمران يحمل هويته الشخصية، ولم يترك خلفه أي وسيلة قد تساعد في تحديد مصيره. ومنذ ذلك اليوم، بدأت عائلته رحلة بحث طويلة بين النازحين والعائدين من المناطق التي كان يقصدها، دون أن تصل إلى أي معلومة مؤكدة.
ومع مرور الوقت، تمسكت الأسرة بأي خيط قد يقود إليها. ففي إحدى المرات، شاهدت والدته صورة متداولة لأسرى فلسطينيين ممددين على الأرض، وشعرت أن أحدهم يشبه ابنها.
وتقول: "عندما رأيت الصورة تمنيت أن يكون هو. كنت أقول في نفسي: ليت عمران حيًّا حتى لو كان أسيرًا، لكننا لم نستطع التأكد".
وسارعت العائلة إلى إبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن فقدانه، وانتظرت أسابيع طويلة على أمل الحصول على إجابة.
وتوضح والدته: "بعد أكثر من شهر أبلغونا أنهم لم يعثروا على أي معلومة عنه، ثم عادوا لاحقًا وأكدوا استمرار البحث، لكننا حتى اليوم لم نتلقَّ أي خبر يوضح مصيره".
خلف عمران زوجته وأطفاله الأربعة، الذين ما زالوا يكبرون على ذكراه. أكبرهم يحتفظ بملامح والده في ذاكرته، فيما يواصل الصغار سؤاله كلما مرّ طيف يشبهه.
وتقول والدته: "حين يرى أحد أبنائه صورة لرجل يشبه والده يقول: هذا أبي. الأطفال ما زالوا ينتظرونه ويذكرونه باستمرار".
ولم تكن مأساة العائلة مقتصرة على فقدان عمران، فقد خسرت منزلها أيضًا، وتنقلت بين مراكز النزوح منذ بداية الحرب، شأنها شأن آلاف العائلات الفلسطينية.
وتستعيد والدته تلك المرحلة قائلة: "كنا نعيش تحت القصف طوال الوقت، البوارج في البحر، والطائرات في السماء، والدبابات حولنا. كان الموت قريبًا منا في كل لحظة".
ورغم مرور أكثر من عامين على اختفائه، لا تزال العائلة ترفض فقدان الأمل، فلا توجد معلومة تؤكد استشهاده، ولا أخرى تثبت وجوده في الأسر، فيما يبقى مصيره مجهولًا حتى اليوم.
وتختتم والدته حديثها لـ"فلسطين": "كل ما نريده أن نعرف ماذا جرى لعمران. هذا الانتظار مؤلم جدًا، لكننا ما زلنا ندعو الله أن يطمئن قلوبنا عليه، وأن نعرف الحقيقة مهما كانت".
هكذا تنتهي آخر الخيوط عند تبة النويري، حيث شوهد عمران بكر للمرة الأخيرة وهو يواصل طريقه نحو غزة، لتبقى حكايته مفتوحة على الغياب، وسؤالًا بلا جواب.

