تحت عناوين وصفها مراقبون بـ"الخادعة"، تقاطعت أهداف الداعين إلى الحراك في قطاع غزة مع تصريحات أطلقها مسؤولون إسرائيليون، من بينهم رئيس جهاز الشاباك السابق آفي ديختر، إلى جانب دعوات مماثلة صدرت عن مجموعات متعاونة مع الاحتلال، في محاولة لتأليب الشارع الفلسطيني على المقاومة واستثمار الظروف المعيشية الصعبة لإثارة الفوضى وتحقيق ما عجز عنه الاحتلال عسكريًا.
ورغم الحملة المكثفة التي قادها ناشطون مرتبطون بالحراك عبر منصات التواصل الاجتماعي، والدعوات المتكررة للنزول إلى الشوارع يوم الجمعة، مرّ اليوم بصورة اعتيادية، وبقيت الشوارع خالية من أي استجابة تُذكر. وفي المقابل، حضر المشهد الشعبي في جنازة الشهيد القسامي وليد هنية، إلى جانب استمرار الأعراس والمظاهر اليومية، في مشهد عكس، وفق مراقبين، تمسك شريحة واسعة من المواطنين بخياراتها الوطنية.
ولم تتجه أنظار الأهالي إلى الساحات التي دعا إليها منظمو الحراك، بل فضّل كثيرون التوجه إلى شاطئ البحر، الذي بات المتنفس الوحيد لسكان القطاع والنازحين هربًا من حرارة الخيام، في مشهد عكس إدراكًا واسعًا لدى المواطنين لطبيعة الظروف التي يعيشونها وللجهة التي يحملونها مسؤولية معاناتهم.
كما عززت بيانات العشائر ووجهاء العائلات، التي أعلنت رفضها للحراك ودعت أبناءها إلى عدم الانخراط فيه، من حالة الرفض الشعبي، وهو ما أسهم في غياب أي حشد ميداني للدعوات.
وشكّل هذا الإخفاق امتدادًا لمحاولات سابقة قادها الأشخاص أنفسهم، انتهت جميعها دون تحقيق أهدافها، ما جعل تلك الدعوات، وفق متابعين، تفقد حضورها وتأثيرها في الشارع الفلسطيني.
محاولات فاشلة
ورأى الناشط السياسي إبراهيم مسلم أن فشل الحراك يعود إلى عدة أسباب، أبرزها أن القائمين على الدعوات هم أنفسهم الذين تبنوا دعوات سابقة انتهت بالفشل، ما أفقدهم المصداقية لدى الشارع الفلسطيني، وأصبحت أسماؤهم، بحسب وصفه، مرتبطة بدوافع خارجية وأجندات تهدف إلى زعزعة الاستقرار والأمن في قطاع غزة.
وقال مسلم لصحيفة "فلسطين" إن: " أبناء الشعب الفلسطيني باتوا يمتلكون وعياً كبيراً، وأصبحوا يدركون أن هذه الجهات ليست محل ثقة، ولا تستطيع إقناع المواطنين بتبني أفكارها أو الاستجابة لدعواتها.
وأكد أن العائلات والعشائر الفلسطينية لعبت دوراً كبيراً في رفض الدعوات، من خلال البيانات التي أصدرتها، والتي هدفت إلى حماية السلم الأهلي وتوعية أبنائها بعدم الانخراط في أي تحركات قد تقود إلى الفوضى، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها القطاع بعد الحرب.
وأضاف مسلم أن تبني ما وصفها بـ"العصابات العميلة" لهذه الدعوات، بالتزامن مع تحركاتها قرب الخط الأصفر، يعكس تقاطعاً في المصالح مع الاحتلال الإسرائيلي، ويكشف أهدافاً خفية للحراك، معتبراً أن ذلك أسهم في إفشال ما وصفه بالمخطط التخريبي.
وشدد على أن سكان قطاع غزة يدركون أن الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول الرئيس عن استمرار معاناتهم، وتعطيل وقف إطلاق النار، ومنع الإعمار وإدخال المعدات واللجنة الإدارية إلى القطاع، مؤكداً أن هذا الوعي حال دون تفاعل المواطنين مع الدعوات، ورسخ قناعتهم بأن الاحتلال هو المسؤول الأول عن الأوضاع الراهنة.
رسائل سياسية
ووفق الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون فإن فشل الحراك الذي دُعي إليه في 26 يونيو يحمل رسالة سياسية مهمة، مفادها أن الحاضنة الشعبية في قطاع غزة، رغم الحرب والتجويع والتشريد، ما زالت متمسكة بثوابتها الوطنية، ولم تنجرّ إلى ما وصفها بالمشاريع المشبوهة أو الأجندات الخارجية.
وأوضح المدهون لصحيفة "فلسطين" أن الوعي الجمعي الفلسطيني كان أحد أبرز أسباب فشل الدعوات، إذ استطاع المواطنون التمييز بين الصوت الوطني الحقيقي والدعوات التي لا تنبع من معاناة سكان غزة، مشيراً إلى أن هذه الدعوات تقاطعت مع مواقف إسرائيلية أعلنت دعمها لها.
وأكد أن الفلسطينيين يدركون أن أي انزلاق نحو الفوضى أو الاقتتال الداخلي لن يخدم سوى الاحتلال، كما أنهم ما زالوا يعتبرون الاحتلال المسؤول الأول عن القتل والدمار والحصار والتجويع، ولذلك فإن أي مواجهة يجب أن تتجه نحو مصدر العدوان لا إلى الداخل الفلسطيني.
وأشار المدهون إلى أن مواقف العشائر والعائلات والمخاتير والنخب الفلسطينية، إلى جانب موقف الفصائل التي لم تمنح الحراك أي غطاء وطني، أسهمت في إفشال الدعوات، ورسخت رسالة بأن المجتمع الفلسطيني متماسك وعصي على الاختراق.
وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات المسؤولية ورص الصفوف، داعياً إلى توجيه الجهود نحو تعزيز صمود الشعب الفلسطيني والحفاظ على وحدته، وإفشال أي محاولات لإثارة الفتنة أو الانقسام.

