في وقت تواصل فيه غزة تضميد جراحها النازفة من جراء حرب الإبادة والحصار الخانق، تبرز أصوات وطنية من قلب المعاناة، ترفض بشدة دعوات "الفوضى والفلتان" التي يروّج لها البعض من الخارج، مؤكدة أن بوصلة الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تنحرف عن طريق المقاومة والصمود، وأن هذه المحاولات ليست سوى "أجندات مشبوهة" تتقاطع مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي.
المحامي علام حجازي أكد، لصحيفة "فلسطين"، أن الشعب الفلسطيني في غزة يمتلك من الوعي ما يكفي لإفشال كافة المؤامرات. وقال: "دعوات الفوضى والفلتان لن تمر علينا، فنحن في غزة عانينا ويلات الحرب والحصار، ونعلم يقينًا من يقف خلف هذه الدعوات".
وأضاف حجازي: "إن الذين ينادون بحراكات تستهدف إضعاف الجبهة الداخلية في ظل هذه الظروف الصعبة، هم شركاء للاحتلال في جرائمه. ندعو إلى محاسبتهم وفق القانون الفلسطيني الذي جرّم هذه الأجندات، فلا مكان لمن يروّج لأوهام الاحتلال بين صفوف شعبنا".
ويرى مراقبون أن ما يجري من دعوات مشبوهة يصب في خانة واحدة. وفي هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر، في حديثه لـ"راديو علم"، أن هذه الدعوات ليست عفوية بأي حال، بل تأتي ضمن محاولات يائسة لكسر شوكة الجبهة الداخلية، موضحًا أن "مروّجي هذه الدعوات يستغلون حالة الضيق المعيشي لتمرير أجندات سياسية تخدم الاحتلال في إثارة القلاقل وتفتيت النسيج الاجتماعي".
من جانبه، أشار الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو، في حديثه لـ"راديو علم"، إلى زاوية أخرى في المشهد، مؤكدًا أنه "من الطبيعي في ظل الضغط الهائل الذي يعيشه الشعب الفلسطيني أن تتصاعد أصوات للتعبير عن الغضب والمعاناة، لكن غير الطبيعي هو اختيار هذا التوقيت لدعوة الناس إلى الخروج، في وقت لا تتوفر فيه القدرة أو جهة تنظم الحراك وتحميه".
وأضاف سويرجو: "إذا كان هدف الحراك إسقاط حركة حماس في غزة، فهي لم تعد تمارس دور حكومة أو سيطرة منظمة بالمعنى التقليدي، كما أن الواقع الحالي لا يتيح للناس القدرة على إحداث تغيير، ويبقى الأمل معلقًا على التطورات الإقليمية ومسار المفاوضات".
رفض لـ"أصوات الفنادق"
من جانبه، عبّر المواطن محمد الغف عن استياء بالغ من محاولات التلاعب بمصير أهل غزة، قائلًا لـ"فلسطين": "نحن شباب غزة الذين نعيش على ترابها المشتعل نرفض رفضًا قاطعًا أن يتحدث باسمنا من يعيشون في الفنادق خارج حدودنا".
وتابع: "غزة جريحة ومنكوبة، وليست بحاجة إلى نكبات جديدة أو فتنة داخلية. ندعو الجهات المختصة إلى محاسبة كل من يخرج عن القانون، ونحن على ثقة أن كل الدعوات لزعزعة الاستقرار ستتحطم على صخرة وعي شعبنا الصابر".
استهداف لما تبقى من الاقتصاد
على صعيد أصحاب المصالح التجارية، أشار وحيد الدهشان، صاحب محلات "الدهشان" للمواد الغذائية، إلى البعد التخريبي لهذه الدعوات. وأوضح لـ"فلسطين" أن "الهدف الأساسي من محاولات إثارة الفوضى هو تسهيل مهام الاحتلال وتدمير ما تبقى من اقتصاد منهار أصلًا".
وشدد الدهشان على أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لـ"وحدة الصف، وتوحيد الجهود، وإنهاء الانقسام، وتمكين حكومة التكنوقراط الفلسطينية من ممارسة مهامها"، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني اكتفى بما حل به من دمار، ويرنو إلى الاستقرار والبدء في مرحلة التعافي.
جبهة التعليم في وجه المؤامرة
أستاذ اللغة العربية نمر سدر تناول القضية من منظور تربوي واجتماعي، معتبرًا أن استقرار المجتمع هو القاعدة لنهوض الجيل. وقال لـ"فلسطين": "طلابنا عانوا سنوات الحرب، وحُرموا من حقهم في التعليم، وعندما وضعت الحرب أوزارها سارعنا إلى افتتاح مدارس بدائية وخيام لمحاولة استنهاضهم. وفي هذه اللحظة الحرجة يخرج علينا من هم أدوات للاحتلال ليدعوا إلى الفوضى".
وأكد سدر أن "ما لم يستطع الاحتلال أخذه بالقوة العسكرية وتدمير البنية التحتية، لن يناله عبر دعوات الفتنة، فوعي شعبنا أكبر من هذه المؤامرات".
رسالة المنبر الديني
بدوره، بعث إمام مسجد الفاروق بدر السنكري برسالة توعوية عبر "فلسطين"، قال فيها: "نحن كأئمة وعلماء نرفض أي دعوات للفوضى، فغزة ليست بحاجة لمزيد من الانقسام. نحن نؤيد الحراك الوحيد الذي يخدم قضيتنا، وهو التظاهر ضد الاحتلال وطرده من أرضنا".
ونصح السنكري أبناء الشعب الفلسطيني بعدم الانجرار خلف "المرجفين" الذين يتلقون أوامرهم من خارج الحدود ومن غرف مخابرات الاحتلال، داعيًا حكومة التكنوقراط الفلسطينية إلى البدء الفوري بمهامها، وإعطاء أولوية قصوى لإعادة الإعمار وبناء المساجد والمراكز المعنية بتربية الأجيال وحماية الهوية بعد هذه الحرب المدمرة.
تجمع هذه الشهادات على حقيقة واحدة: أن غزة، رغم الجراح، تظل عصيّة على الكسر من الداخل، وأن كل محاولات التخريب التي تُدار من وراء الشاشات لا تجد صدى في نفوس الفلسطينيين الذين يتطلعون إلى الوحدة والإعمار وإنهاء الاحتلال وطي صفحة الانقسام إلى الأبد.

