لم تكن الباحثة خلود أبو سهمود (33 عامًا) تتخيل أن رحلتها الطويلة مع العلم، التي تُوّجت بالحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة في المناهج وطرق التدريس، وحفظ كتاب الله كاملًا ستتوقف فجأة أمام معركة من نوع آخر؛ معركة لا تُخاض بالكتب والأبحاث، بل بالصبر والألم وانتظار فرصة للعلاج.
في أحد مستشفيات قطاع غزة، وبعد ولادة طبيعية لطفلتها الرضيعة، بدأت ملامح الوجع بالظهور، فبدلاً من أن تنشغل الأم الجديدة بفرحة استقبال مولودتها، لاحظت الأسرة أن بطنها ظل منتفخًا بصورة غير طبيعية، وكأنها لم تلد بعد.
يروي زوجها ممدوح أبو شهلة لصحيفة "فلسطين" تفاصيل الصدمة الأولى قائلًا: "بعد الولادة الطبيعية لابنتنا، ظل بطنها منفوخًا، فتوجهنا بها إلى المستشفى، وبعد سلسلة من الفحوصات دون معرفة السبب، تبين وجود تجمع للسوائل في البطن، فقام الأطباء بسحب عينة لتحليلها، وكانت النتيجة صادمة، وجود خلايا سرطانية. وبعد إجراء صورة مقطعية تأكدت إصابتها بسرطان في الكبد".
ومنذ تلك اللحظة انقلبت حياة خلود وأسرتها رأسًا على عقب، فبينما كانت تستعد لاستكمال مسيرتها العلمية وتربية طفلتها الصغيرة، وجدت نفسها تخوض رحلة علاج شاقة وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.
ويضيف زوجها: "رغم عدم توفر العلاج المناسب لحالتها، اضطر الأطباء إلى إعطائها العلاج الكيماوي على أمل الحد من انتشار المرض، فتلقت ما يقارب 15 جرعة، لكن للأسف لم تستجب حالتها للعلاج، بل تسبب الكيماوي بتساقط شعرها وأظافرها، وأصبحت حركتها بطيئة وتعاني من ضيق شديد في التنفس وانتفاخ مستمر في البطن، ولم تعد قادرة على المشي سوى خطوات معدودة".
تسعة أشهر كاملة مرت وخلود تصارع المرض، بينما تتدهور حالتها الصحية يومًا بعد يوم. ولم يقتصر الألم على المرض وحده، بل تضاعف بسبب ظروف النزوح التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فبدلًا من تلقي الرعاية التي تحتاجها مريضة سرطان، وجدت نفسها تعيش في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويتابع أبو شهلة: "كنا نعيش في خيمة بمواصي خان يونس، ثم انتقلت خلود لتقيم مع شقيقتها النازحة في إحدى المدارس، حيث تمكث تحت الدرج لتتمكن شقيقتها من رعايتها خلال فترة المرض".
تلك الباحثة التي عُرفت بحبها للعلم والاجتهاد، وقد أنهت درجة الماجستير خلال عام وأربعة أشهر فقط، وأكملت طريقها حتى نالت الدكتوراه، باتت اليوم طريحة الفراش، لم تعد قادرة على رعاية طفلتها الرضيعة أو القيام بمسؤولياتها الأسرية، فيما تبددت أحلام كثيرة كانت تسعى لتحقيقها.
ويقول زوجها بحسرة: "خلود كانت مثالاً للإرادة والطموح وحب العلم، وكانت دائمًا تسابق الزمن لتحقيق أهدافها العلمية وخدمة مجتمعها، اليوم أصبحت عاجزة عن ممارسة أبسط تفاصيل حياتها، وكل ما تتمناه هو فرصة للعلاج والنجاة".
ورغم قسوة المشهد، لا تزال بارقة أمل تلوح في الأفق. فقد حصلت خلود على موافقة للعلاج في مستشفيات أردنية متخصصة، إلا أن رحلتها العلاجية ما زالت متوقفة بانتظار التنسيق اللازم والتغطية المالية التي تمكنها من السفر وبدء العلاج.
وفي ظل التدهور المتسارع لوضعها الصحي، تناشد أسرتها الجهات الإنسانية والمؤسسات الطبية وأصحاب الضمائر الحية التدخل العاجل لإنقاذ حياتها، وتأمين علاجها خارج قطاع غزة، قبل أن يسرق المرض ما تبقى من صحتها.
فبين صفحات الأبحاث التي كتبتها، وآيات القرآن التي حفظتها، وطفلة رضيعة تنتظر حضن أمها، تقف خلود أبو سهمود اليوم على مفترق طرق بين الألم والأمل، متشبثة بحقها في العلاج والحياة.

