فلسطين أون لاين

"ديلفري غزة" يركب الدراجات الهوائية.. بديل اضطراري في مدينة أنهكتها الحرب

...
"ديلفري غزة" مشروع قائم على توصيل الطلبات باستخدام الدراجات الهوائية
غزة/ محمد عيد:

دفعت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة أصحاب المشاريع الصغيرة إلى ابتكار وسائل بديلة للتكيف مع واقع جديد فرضته حرب ممتدة منذ أكثر من عامين ونصف العام، خلّفت دمارًا واسعًا طال مختلف مناحي الحياة.

ومن بين أكثر القطاعات تضررًا قطاع المواصلات، الذي يواجه انهيارًا شبه كامل، بعد فقدان نحو 70% من المركبات وتدمير ما يقارب 80% من الطرقات والبنية التحتية، ما خلق أزمة خانقة في التنقل بين المناطق والأحياء.

هذا الواقع دفع طارق أبو زكري (43 عامًا) إلى التفكير في مشروع يتلاءم مع الظروف القاسية، فكان مشروع "ديلفري غزة" القائم على توصيل الطلبات باستخدام الدراجات الهوائية.

بدأ أبو زكري مشروعه خلال فترة وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أن تستأنف (إسرائيل) الحرب على القطاع، لكنه واصل العمل رغم التحديات المتفاقمة.

يقول أبو زكري لصحيفة "فلسطين": "لا مركبات، لا دراجات نارية، لا وقود، ولا قطع غيار… كل شيء شبه معدوم".

ويضيف أن فكرة المشروع جاءت بعد تدمير الطرق وصعوبة التنقل بين المحافظات، ولاحظ الحاجة المتزايدة لخدمات التوصيل داخل الأحياء المكتظة والنازحين، فكانت الدراجات الهوائية خيارًا اضطراريًا.

وبادر بالإعلان عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن حاجته إلى "سائقي ديلفري يمتلكون دراجات هوائية"، ليتفاجأ خلال 36 ساعة بتقدم 109 أشخاص للالتحاق بالعمل، غالبيتهم من حملة الشهادات الجامعية وأرباب أسر فقدوا مصادر دخلهم بفعل الحرب.

وتعكس هذه الأرقام واقعًا اقتصاديًا صعبًا، إذ تشير تقديرات إلى وصول معدلات البطالة في غزة إلى نحو 85%، في ظل انهيار شبه كامل لسوق العمل وارتفاع مستويات الفقر.

ويشرح أبو زكري آلية عمل المشروع، موضحًا أنه يعتمد على ثلاثة فروع (غزة، المنطقة الوسطى، خان يونس)، حيث تُجمع الطلبات ثم تُنقل بين المحافظات بوسائل محدودة، قبل أن يتولى مندوبو الدراجات الهوائية توصيلها داخل المناطق.

ويتم في أوقات محددة التقاء المندوبين لتوزيع الطلبات، مقابل أجور رمزية، في محاولة لتوفير مصدر دخل بسيط في ظل الأزمة.

لكن هذا النموذج لا يخلو من التحديات، إذ يواجه العاملون بالدراجات الهوائية مخاطر كبيرة، من بينها القصف الإسرائيلي العشوائي، وغياب الدراجات الصالحة للاستخدام، إضافة إلى انعدام قطع الغيار ووسائل الصيانة نتيجة الحصار ومنع دخول المستلزمات الأساسية.

ويُشار إلى أن سلطات الاحتلال تمنع منذ بداية الحرب إدخال المركبات والدراجات النارية والكهربائية، إلى جانب تقييد دخول المواد الأساسية اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية.

ورغم هذه القيود، يرى أبو زكري أن المشروع فتح نافذة أمل صغيرة، سواء عبر توصيل طلبات المتاجر أو دعم النساء العاملات من داخل الخيام والمنازل، ما أوجد مصدر دخل محدود لكنه ضروري للبقاء.

نافذة أمل

لم يكن مشروع "الدراجات الهوائية" مجرد وسيلة عمل لأبو زكري، بل تحول إلى فرصة إنسانية لآخرين، بينهم الجريحة ميساء صافي (30 عامًا)، التي وجدت فيه متنفسًا للعمل من خلال صناعة المشغولات اليدوية وبيعها عبر خدمة التوصيل.

تقول ميساء لـ"فلسطين" إن المشروع أعاد لها بعض الأمل، رغم فقدانها منزلها وطفلتها في قصف إسرائيلي على مخيم المغازي عام 2024.

وتضيف أنها تأمل في تحسن أوضاع أسرتها المعيشية، إلى جانب تحسن الظروف الإنسانية في غزة، حيث بات التنقل بين المناطق "معركة يومية" في ظل الدمار والأزمات المتفاقمة.

وتتوالى التحذيرات المحلية والدولية من انهيار إنساني شامل في قطاع غزة، مع استمرار الحصار ومنع إدخال المركبات والمولدات وقطع الغيار والوقود، ما يفاقم أزمة الحياة اليومية.

وفي ظل هذا الواقع، وجد خريج اللغة العربية محمد عدنان العوادودة فرصة عمل في المشروع كسائق ديلفري على دراجة هوائية، بعد أن فقد فرص العمل نتيجة تدمير المؤسسات التعليمية والبنية التحتية، بما فيها قطاع الكهرباء.

يقول العوادودة لـ"فلسطين": "لم أتوقع يومًا أن تصبح الدراجة الهوائية مصدر رزق".

ورغم المشقة والتنقل لمسافات طويلة، يرى أن هذا العمل يمثل "فرصة للنجاة" في واقع يفتقد لأبسط مقومات الحياة.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن أكثر من أربعة من كل خمسة أشخاص في غزة يعانون من البطالة، في واحدة من أعلى النسب عالميًا.

وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 1.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة للبقاء على قيد الحياة، ما يتطلب فتح المعابر وضمان تدفق الإمدادات الإنسانية والتجارية بشكل منتظم.

المصدر / فلسطين أون لاين