فلسطين أون لاين

نتنياهو يبحث عن جبهة تنقذه

في السياسة، هناك لحظات لا يعود فيها القائد يبحث عن النصر، بل عن المخرج.
يبدو أن بنيامين نتنياهو يقترب من هذه اللحظة.
فكلما تابعنا المشهد الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة، بدا كأن الرجل يقف وسط دوامة تتسع من كل اتجاه. ليس لأن جبهة واحدة تعثرت، بل لأن الأزمات بدأت تتراكم بعضها فوق بعض، حتى بات السؤال المطروح داخل إسرائيل أقل ارتباطاً بكيفية الانتصار، وأكثر ارتباطاً بكيفية النجاة.

في الخارج، لم تعد البيئة الإقليمية تمنحه المساحة التي كان يتحرك فيها سابقاً.

إيران تلوّح بمعادلة جديدة تربط أي تفاهمات مستقبلية بسلوك دولة الاحتلال في لبنان، في حين يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقل استعداداً لمنح نتنياهو شيكاً مفتوحاً للمغامرات العسكرية. بل إن الرسائل الصادرة من واشنطن تحمل قدراً متزايداً من التحذير أكثر مما تحمل من الدعم.

أما في الداخل، فالصورة أكثر تعقيداً.

خصوم نتنياهو يتحدثون عن تحالف حكومي بديل، والمعارضة تجهز ملفات جديدة للهجوم عليه، بينما تتواصل جلسات محاكمته بوتيرة متسارعة. وفي الوقت نفسه، تكشف استطلاعات الرأي عن تآكل تدريجي في شعبيته، حتى داخل قطاعات كانت تعدّ جزءاً من قاعدته التقليدية.

لكن الأزمة السياسية ليست سوى رأس الجبل الجليدي.

فالجيش يواجه أزمة متصاعدة في التجنيد والاحتياط، ونقصاً متزايداً في القوى البشرية، في وقت تتوسع فيه مهامه بين غزة ولبنان وسوريا. ويأتي ذلك بالتزامن مع أزمة الجرحى العسكريين، وما يرافقها من أعباء اجتماعية واقتصادية طويلة المدى.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر قسوة.

تكاليف الحرب والاستنفار العسكري تتراكم، في حين يواصل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية استنزاف الموارد العامة. ومع اتساع نفوذ المستوطنين داخل الحكومة، تزداد الضغوط باتجاه خطوات قد تفجر ساحات جديدة للصراع، سواء في الضفة أو على الحدود الشمالية.

أما على المستوى الدولي، فإن ما تخسره دولة الاحتلال ربما لا يقل أهمية عما يحدث في الميدان.

فالعلاقات مع عدد من الدول الأوروبية تشهد تراجعاً ملحوظاً، والرواية الفلسطينية تحقق اختراقات غير مسبوقة في الجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام العالمية. شخصيات فكرية ودبلوماسية وفنية مؤثرة باتت تتبنى مواقف أكثر قرباً من الرواية الفلسطينية، بينما تتواصل المبادرات الشعبية والبحرية المطالبة بكسر الحصار عن غزة.

كل ذلك يحدث في وقت لم تستطع فيه الحكومة الإسرائيلية تقديم صورة نصر حاسمة للجمهور.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

فمعظم الحلول التي يطرحها نتنياهو تبدو مؤقتة. تأجيل للأزمة، لا معالجة لها. إدارة للضغوط، لا إنهاء لها. انتقال من مأزق إلى آخر، دون القدرة على إغلاق أي ملف بشكل نهائي.

لهذا السبب، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: ماذا يريد نتنياهو؟

بل: أين يجد الساحة التي تمنحه فرصة للهروب من كل هذه الضغوط؟

فإذا كانت غزة لم تُحسم، ولبنان بات مقيداً بحسابات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً، وإذا كانت واشنطن نفسها تبعث برسائل تحذير لا تشجيع، فإن البحث عن جبهة جديدة قد يتحول من خيار سياسي إلى محاولة أخيرة لصناعة مشهد مختلف.

ومن هنا يبرز اليمن في حسابات كثير من المراقبين.

ليس لأنه يمثل الخطر الأكبر على إسرائيل، بل لأنه قد يبدو، من وجهة نظر نتنياهو، الساحة الأقل كلفة سياسياً مقارنة بالبدائل الأخرى.

لكن المشكلة أن الأزمات التي يواجهها الرجل لم تعد عسكرية فقط.

إنها أزمة ثقة، وأزمة قيادة، وأزمة رواية، وأزمة مستقبل.

ولهذا، فإن ما يبحث عنه نتنياهو اليوم قد لا يكون نصراً جديداً بقدر ما هو طوق نجاة قبل أن تصل كل هذه الملفات المتراكمة إلى نقطة الانفجار.

المصدر / فلسطين أون لاين