في منزل متواضع أثقلته الحرب وأوجاع الفقد، تجلس ناريمان أبو جراد، المعروفة بـ"أم حسين"، محاطة ببناتها الست، تحاول أن تتشبث بما تبقى من حياة تبددت ملامحها خلال لحظات. لم تكن تتخيل أن المكالمة الأخيرة التي تلقتها من زوجها محمد ستتحول إلى وداع أبدي، وأن ساعات قليلة فقط ستفصلها عن فقدان زوجها وابنها الوحيد في قصف واحد، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وقسوتها.
وتبلغ أم حسين أربعين عامًا، وتحمل في تفاصيل وجهها حكاية فقد ثقيلة. ففي الثالث عشر من حزيران/ يونيو 2025، خرج زوجها محمد إلى عمله كالمعتاد في إحدى الشركات القريبة من شارع صلاح الدين بمدينة دير البلح، حيث كان يعمل حارسًا ليليًا بعد أن حصل على الوظيفة قبل شهرين فقط، إثر فترة طويلة من البطالة فرضتها الحرب وتوقفه عن العمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتروي أم حسين لصحيفة "فلسطين" تفاصيل ذلك اليوم بصوت يختلط فيه الحنين بالألم، قائلة: "خرج زوجي إلى عمله الساعة الرابعة عصرًا، وكان من المفترض أن ينهي دوامه في الثامنة صباحًا، لكن القصف كان قريبًا جدًا من مكان عمله، فاتصل بي قبيل أذان المغرب وطلب مني إرسال حسين ليعيده إلى المنزل بالعربة التي يجرها الحمار".
وتضيف مستذكرة آخر حديث دار بينهما: "اتصلت به للاطمئنان عليه، فقال لي: (يلا عدنا، جهزي العشاء والشاي، وهينا جايين). كانت كلمات عادية تشبه أحاديثنا اليومية، لكنني لم أكن أعلم أنها ستكون آخر ما أسمعه منه".
ومع مرور الوقت وتأخر الأب والابن عن العودة، بدأ القلق يتسلل إلى قلبها. تقول: "بعد أذان العشاء أخذت أتصل بهاتفه مرارًا، لكن دون رد. وقتها شعرت أن مكروهًا قد وقع، وسيطر الخوف على قلبي بالكامل".
ولم يطل الانتظار حتى وصل الخبر الصادم. فقد تلقى شقيقها اتصالًا من جيران الشركة أبلغوه فيه بأن محمد وابنه حسين تعرضا لاستهداف إسرائيلي أثناء عودتهما إلى المنزل، واستشهدا معًا.
وتقول بحرقة: "في لحظة واحدة فقدت زوجي وابني الوحيد. فقدت السند والأمان ورفيق العمر. لم أستوعب كيف رحلا معًا وتركانني وحيدة في مواجهة الحياة".
ولم يكن محمد مجرد زوج وأب، بل كان الأمل الذي تعلقت به الأسرة بعد شهور طويلة من الضيق والعوز. فرح كثيرًا عندما حصل على وظيفة الحراسة، معتقدًا أنها ستكون بداية انفراج يخفف عن أسرته أعباء الحياة، إلا أن هذا الأمل انتهى سريعًا، تاركًا خلفه أرملة وست بنات يواجهن مصيرًا مجهولًا.
ومنذ استشهاد زوجها وابنها، وجدت أم حسين نفسها أمام مسؤوليات تفوق قدرتها. وتقول: "اضطررت إلى بيع الحمار والعربة لتوفير مصروف البنات وتسديد بعض الديون، وحتى الأشياء الزائدة عن حاجتنا في المنزل بعتها لنتمكن من الاستمرار".
ورغم قسوة الظروف المعيشية، يبقى العبء النفسي هو الأصعب. فكل مشهد لطفل يعود إلى أحضان والده يعيد فتح جراحها وجراح بناتها.
وتتابع: "كل شيء يهون أمام هذا الوجع. عندما أرى الأطفال يركضون نحو آبائهم فرحين بعودتهم إلى البيت، أشعر بألم لا يوصف، وأحاول أن أحمي بناتي من تجدد الحزن. فرغم مرور الوقت، ما زلن يتذكرن والدهن وأخاهن في كل لحظة، ويتمنين لو أن القدر لم يحرمهن منهما معًا".
وتواصل أم حسين اليوم معركتها اليومية من أجل البقاء، حاملةً وحدها مسؤولية أسرة أنهكها الفقد والحرب، ومتشبثة بالأمل في مستقبل أقل قسوة لبناتها الست.

