أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في "نيويورك" مؤشرات سياسية مهمة تعكس تحولات متسارعة داخل القاعدة الديمقراطية الأمريكية، خصوصا فيما يتعلق بالموقف من حرب الابادة على غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. وقد اعتبر مراقبون أن نتائج الانتخابات تجاوزت حدود المنافسة الداخلية لتلامس قضايا السياسة الخارجية وحقوق الإنسان.
وحققت قائمة المرشحين التقدميين المدعومة من عمدة نيويورك زهران ممداني انتصارات واسعة على مرشحين محسوبين على التيار التقليدي داخل الحزب الديمقراطي، ما اعتبره كثيرون دليلا على تنامي نفوذ الجناح التقدمي وقدرته على التأثير في مستقبل الحزب خلال السنوات المقبلة.
ومن أبرز النتائج فوز الفلسطينية الأمريكية عبير قواس على مقعد مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن الدائرة الثانية عشرة في منطقة كوينز، وهو فوز يمنحها دفعة قوية نحو الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر المقبل، خاصة أن الدائرة تعد من أبرز المعاقل الديمقراطية في الولاية.
وينظر إلى فوزها باعتباره نجاحا لشخصية سياسية من أصول فلسطينية في بيئة انتخابية مؤثرة داخل الولايات المتحدة.
ويرى الخبير في الشؤون الأمريكية ماهر عبد القادر، أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أصبحت بالنسبة للكثير من الناخبين بمثابة استفتاء على غزة وحقوق الشعب الفلسطيني والسياسة الأمريكية تجاه فلسطين، مشيرا إلى أن شريحة متزايدة من الأمريكيين باتت تنظر إلى الانتخابات باعتبارها مواجهة بين دعم الحقوق الفلسطينية وحقوق الإنسان من جهة، وبين نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل من جهة أخرى.
تحولات حقيقية
ويقول عبد القادر لصحيفة "فلسطين"، إن فوز شخصيات سياسية معروفة بمواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية يعكس تحولات حقيقية في المزاج السياسي الأمريكي، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي، فقد أصبح المرشحون أكثر حساسية تجاه مواقف قواعدهم الانتخابية المتعلقة بحرب الابادة على غزة وتداعياتها الإنسانية.
وتعزز نتائج استطلاعات الرأي هذه القراءة، إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع مركز "سيينا" للبحوث أن 74% من الناخبين الديمقراطيين يعارضون استمرار الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل، مقارنة بـ45% فقط قبل اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، في تحول يعد من الأكبر داخل القاعدة الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن 60% من الناخبين الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، بينهم 41% وصفوا تعاطفهم بأنه قوي، في حين لم تتجاوز نسبة المتعاطفين مع إسرائيل 15%.
ويرى عبد القادر أن هذه الأرقام تعكس اتجاهاً متنامياً داخل المجتمع الأمريكي لمراجعة السياسات التقليدية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن القضية الفلسطينية تكسب باستمرار المزيد من الأصوات المؤيدة داخل الولايات المتحدة، بينما يواجه اللوبي المؤيد لإسرائيل تحديات سياسية وشعبية متزايدة.
ومن جانبه، يربط الخبير في الشؤون السياسية والامريكية د. نعيم الريان هذا التحول بما شاهده الرأي العام العالمي والأمريكي من مشاهد القتل والدمار والتجويع للشعب الفلسطيني في غزة خلال حرب الابادة.
غزة تعيد صياغة الخطاب
ويضيف الريان لـ"فلسطين"، أن الجامعات الأمريكية والطبقة المثقفة كان لهما دور بارز في دفع هذا التغيير، اذ ساهمت الاحتجاجات الطلابية والنقاشات الأكاديمية في تسليط الضوء على الحقوق الفلسطينية، الأمر الذي انعكس تدريجيا على توجهات الناخبين الشباب وعلى الخطاب السياسي داخل الحزب الديمقراطي.
وتوضح خريطة التأييد الحزبي، وفق الريان، أن أغلبية قاعدة الحزب الديمقراطي، خصوصا بين الشباب، لم تعد تتبنى المواقف التقليدية المؤيدة لإسرائيل، وأن العديد من السياسيين الديمقراطيين باتوا يأخذون هذه التحولات بعين الاعتبار خشية خسارة الدعم الشعبي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتشير مجمل المعطيات إلى أن نتائج الانتخابات التمهيدية في نيويورك لم تكن مجرد منافسات محلية عادية، بل عكست تحولا أوسع في الرأي العام الأمريكي وفي موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي، فقد أصبحت غزة وفلسطين من الملفات المؤثرة في تشكيل المزاج الانتخابي وصياغة الخطاب السياسي الأمريكي خلال المرحلة المقبلة.

