قائمة الموقع

كيف ساعد الإعلام الغربي في إطالة حرب غزة؟

2026-06-25T09:06:00+03:00
وسام عفيفة

بعد أكثر من عامين على الحرب في غزة، يبقى سؤال محيّر يفرض نفسه: كيف تمكنت دولة الاحتلال من مواصلة واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني، على الرغم من أن العالم كان يشاهد صور القتل والدمار يوميا؟

الإجابة لا تتعلق فقط بالسلاح أو المواقف السياسية، بل أيضاً بالطريقة التي قُدمت بها الحرب للجمهور الغربي.

تحليل آلاف المواد الصحفية والتلفزيونية التي تناولت الحرب يكشف أن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضاً معركة على الرواية والسردية.

ففي الوقت الذي حظيت فيه الضحايا الإسرائيليون بأسماء وصور وقصص إنسانية مفصلة، ظهر الفلسطينيون في كثير من التغطيات كأرقام ضمن حصيلة يومية للقتلى. ولم يكن الفرق في حجم التغطية فحسب، بل في اللغة المستخدمة أيضاً.

مصطلحات مثل “المذبحة” و”الوحشية” استُخدمت بكثافة عند الحديث عن الضحايا الإسرائيليين، بينما جرى التعامل مع مقتل آلاف الفلسطينيين بلغة أكثر برودة وحياداً، وكأن الأمر يتعلق بإحصائيات لا بحياة بشرية.

كما أظهرت التغطيات الإعلامية ميلاً واضحاً إلى تقديم الحرب ضمن إطار “الحرب على الإرهاب”، وهو إطار ينقل النقاش من قضية الاحتلال والحصار والحقوق الوطنية إلى قضية أمنية بحتة، بحيث تصبح العمليات العسكرية جزءاً من “حق الدفاع عن النفس” بدلاً من كونها موضوعاً للنقاش القانوني والأخلاقي.

ولم تتوقف المسألة عند حدود توصيف الحرب، بل امتدت إلى توصيف المسؤولية عنها.

ففي كثير من التقارير كان الفلسطينيون “يُقتلون” أو “يلقون مصرعهم”، في حين يغيب الفاعل الذي نفذ القصف أو تسبب في سقوط الضحايا. وهكذا يتحول الحدث من فعل عسكري محدد إلى نتيجة غامضة بلا مسؤول مباشر.

الأكثر أهمية أن هذه التغطية ساهمت في تخفيف حجم المساءلة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها. فرغم أن واشنطن كانت الممول العسكري والداعم الدبلوماسي الرئيسي لدولة الاحتلال، فقد ظهرت في أجزاء واسعة من الإعلام باعتبارها وسيطاً يسعى إلى التهدئة، لا شريكاً مؤثراً في مسار الحرب.

لكن أهمية هذه النتائج لا تتوقف عند فهم ما جرى، بل تمتد إلى فهم التحديات التي ما زال الفلسطينيون يواجهونها في معركة الرواية.

فأي خبر غربي عن غزة تنبغي قراءته من خلال مجموعة أسئلة بسيطة: أين الفاعل؟ من قتل؟ من مات؟ من تسبب؟ من “يقول”؟ ومن “يزعم”؟

كما ينبغي الانتباه إلى التفاوت الإنساني في التغطية: هل يظهر الفلسطيني كإنسان له اسم وقصة وعائلة؟ أم كرقم ضمن حصيلة يومية؟ وهل تظهر الأم الفلسطينية كأم فقدت أبناءها، أم كجزء من إحصائية مجردة؟

وفي المقابل، لا يكفي أن يبقى الخطاب الفلسطيني في موقع الدفاع. فالمعركة الحقيقية تدور أيضاً على مستوى السردية. وهذا يعني رفض تحويل الجريمة إلى جدل تقني، ورفض إخفاء الفاعل، ورفض المساواة بين الضحية والمعتدي، ورفض اختزال الفلسطيني في رقم، ورفض إخراج الولايات المتحدة من موقع الشريك في صناعة المأساة واستمرارها.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم كم شخصاً قُتل في غزة، بل: كيف تمكن العالم من مشاهدة كل ذلك، ثم التعايش معه سياسياً وإعلامياً طوال هذه المدة؟

اخبار ذات صلة