فلسطين أون لاين

دعوات الحراك وانحراف البوصلة

في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، يصبح النقاش الوطني والنقد المسؤول ضرورة لا غنى عنها لتقييم الأداء وتصويب الأخطاء ومعالجة مكامن الخلل. 

لكن الفارق كبير بين النقد الذي ينطلق من الحرص على المصلحة الوطنية، وبين الخطاب الذي يتحول، بقصد أو دون قصد، إلى أداة تخدم أهداف الاحتلال وتعيد إنتاج روايته أمام الرأي العام.

منذ ما يقارب ألف يوم على حرب الإبادة المستمرة ضد قطاع غزة، ومنذ تجاوز عدد الشهداء الذين ارتقوا بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير فقط، حاجز الألف شهيد، ما زال شعبنا الفلسطيني يواجه واحدة من أعقد المعارك في تاريخه الحديث. 

فهي ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة على الوعي والرواية والذاكرة الجماعية أيضًا.

في هذا السياق، من المستهجن والمستغرب ظهور بعض الحملات التي جعلت من غزة هدفًا دائمًا للهجوم، ومن معاناة أهلها مادة يومية للجلد والتشويه، في الوقت الذي يتواصل فيه العدوان والحصار والتجويع واستهداف الأطفال والمرضى والطلبة والنازحين. فبدل توجيه البوصلة نحو الاحتلال بوصفه المسؤول الأول عن المأساة، يجري أحيانًا توجيه لاتهام إلى الضحية نفسها، وكأن المشكلة تكمن في وجود الفلسطيني أو في تمسكه بحقوقه الوطنية.

أخطر ما في هذه الخطابات أنها تتقاطع في كثير من الأحيان مع الرسائل التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها. 

فالاحتلال الذي فشل في كسر إرادة الفلسطينيين بالقوة العسكرية، يحاول اليوم الاستثمار في الحرب النفسية وإضعاف الجبهة الداخلية وإشاعة الإحباط والانقسام وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع.

ولذلك فإن أي حراك أو خطاب يتجاهل الجرائم اليومية للاحتلال، أو يقلل من مسؤولياته، أو يحول الغضب الشعبي بعيدًا عن مصدر العدوان الحقيقي، يثير تساؤلات مشروعة حول نتائجه وأهدافه، خصوصًا عندما تحظى بعض هذه التحركات باهتمام أو ترحيب من وسائل إعلام ومعلقين إسرائيليين يرون فيها فرصة لإرباك المجتمع الفلسطيني وتعميق أزماته الداخلية.

غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى تعزيز صمود أهلها ودعم قدرتهم على مواجهة آثار الحرب والحصار. وهي تحتاج إلى خطاب وطني جامع يفتح المجال للنقد والمراجعة والمحاسبة، لكن دون الوقوع في فخ الرواية الإسرائيلية أو تبرئة الاحتلال من جرائمه.

أثبت الفلسطينيون عبر عقود طويلة أن وحدتهم ووعيهم الجمعي كانا دائمًا السد المنيع أمام محاولات الاختراق والتفكيك. ومن هنا، فإن مسؤولية النخب والكتاب والنشطاء والإعلاميين تكمن في حماية هذه الوحدة، وتعزيز الرواية الوطنية، وتوجيه البوصلة نحو الحقيقة الأساسية التي لا يجوز أن تغيب: أن الاحتلال هو أصل المأساة، وأن مواجهة عدوانه تبقى أولوية تتقدم على كل الخلافات والتباينات الأخرى.

المصدر / فلسطين أون لاين