وفق حسابات خاطئة، وتوقعات خائبة، وآمال خاسئة، شنت أمريكا وإسرائيل عدواناً سافراً على إيران، مدعوماً من بعض دول المنطقة، بأمل إسقاط النظام والقضاء على ما تبقى من رمز الكرامة، وقلعة الصمود والتحدي، وآخر سواتر المواجهة بوجه المشروع الصهيوأمريكي الرامي لإعادة رسم الشرق الأوسط، والسيطرة على طرق التجارة الدولية ومنابع النفط ومصادر الطاقة العالمية، إضافة إلى تهيئة المقدمات لإعلان دولة إسرائيل الكبرى على أرض الواقع، بعد فرض التطبيع والديانة الإبراهيمية قسراً، كما أعلن ترامب في تصريح سابق.
ولتحقيق ما رسمته سياساتهم القمعية بأيدي سينجر ونتنياهو، اتخذوا موضوع تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتخصيب اليورانيوم، واحتمالية صناعة القنبلة النووية من قبل إيران، أسباباً لإعلان العدوان وشن الحرب، بالرغم من وجود مفاوضات في مسقط حول البرنامج النووي الإيراني، والتي أفادت الأخبار آنذاك بقرب التوصل إلى اتفاق مبدئي بين أمريكا وإيران. لكن الرياح الإسرائيلية جاءت بما لا تشتهي واشنطن وطهران، ووجدت واشنطن نفسها قذيفة في فوهة المدفع الإسرائيلي، وسط المستنقع الإيراني الذي أعد العدة بعناصر ردع مستجدة، خارج حسابات الشيطان وجنده، وحسابات من راهن ضده من دول وأبواق مرتدة.
وهنا يبرز السؤال المحير: كيف استطاعت إيران، التي راهن الجميع على سقوطها خلال أسابيع، أن تحوّل الحصار الخانق إلى مادة خام لصناعة عناصر ردع غير مسبوقة، مكنتها من الوقوف بصلابة في وجه أقوى قوتين عسكريتين في العالم؟
إن صمود إيران في هذه المواجهة الكبرى، ونجاحها في قلب الطاولة على أمريكا وإسرائيل، بالرغم من فارق القوة فيما بينهم، لم يكن مجرد صدفة، بل ثمرة سياسة استراتيجية بدأت منذ اللحظة الأولى التي فرضت فيها العقوبات على طهران عام 1979، حيث أدرك القادة الإيرانيون أن العقوبات قد تكون النعمة التي طالما انتظروها لكسر الهيمنة الغربية. فلم يجدوا أمامهم إلا خيار الاعتماد الكامل على الذات في كل شيء، من أبسط قطع الغيار إلى أعقد أنظمة التوجيه الصاروخي.
وهكذا تحولت العقوبات من أداة خنق إلى حافز يومي للابتكار، حيث أبدع المهندسون الإيرانيون في تفكيك كل صاروخ اعترضته دفاعاتهم وإعادة هندسته محلياً، فولد جيل جديد من الصواريخ الباليستية فرضت نفسها بقوة. ولم تقف القدرات عند الصواريخ التقليدية، بل طورت إيران أسطولاً ضخماً من الطائرات المسيّرة، مثل (شاهد 136 و129 وأرش 2 وكمان 22)، ذات القدرة على تنفيذ هجمات جماعية بأسراب تصل إلى المئات في الهجوم الواحد، مع قلة تكلفتها مقارنة بصواريخ الاعتراض، مما يجعل استمرار الحرب مكلفاً حتى لأغنى اقتصادات العالم.
وهذا ما أدركته القيادة الإيرانية؛ فالحرب بالنسبة لها لم تكن تقليدية، بل حرباً غير متماثلة تعتمد على استراتيجية الردع النشط، القائمة على ثلاث ركائز: التحصين عبر تشتيت القواعد ودفنها في الجبال، والبقاء عبر هيكل قيادة لا مركزي، والتصعيد المتحكم به عبر رد تدريجي لا يدفع نحو حرب شاملة.
وهذا ما جعل إسرائيل وأمريكا أمام معضلة حقيقية؛ فكلما وجهوا ضربة وجدوا الرد الإيراني يأتي من اتجاه غير متوقع وبقوة مختلفة، مما يجعلهما في حالة ترقب دائم بدلاً من فرض إيقاع المعركة. كما امتد الردع الإيراني إلى سلاح اقتصادي فتاك تمثل في التهديد المستمر بمضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية، فمجرد التلويح بإغلاقه كافٍ لرفع أسعار الطاقة جنونياً، مما يجعل كبرى الاقتصاديات، كالصين والهند وأوروبا، طرفاً غير مباشر في المعادلة، تضغط على واشنطن للتراجع عن التصعيد.
فضلاً عن تداعيات أسعار الوقود في أمريكا نفسها، فإن إيران نجحت في جر العالم بأسره إلى دائرة الاهتمام ببقائها. وفوق ذلك، كانت ساحات المقاومة التي دعمتها طهران على مدى عقود عنصراً رادعاً لا يقل تأثيراً عن عناصر الردع الأخرى، فمن حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، إلى فصائل الحشد في العراق، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي نجحت إيران في توحيد هذه الساحات وجعلها جبهات قتال قادرة على ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مما جعلهما في حالة حرب على أكثر من جبهة، لاستنزاف قدراتهما اللوجستية والبشرية والمالية بشكل غير مسبوق.
واللافت أن إيران استثمرت في تطوير أسلحة ذكية وأنظمة توجيه محلية تضاهي في دقتها ما تمتلكه القوى الغربية، فصواريخها قادرة على المناورة في الجو، وتغيير مسارها، وتوجيه أكثر من رأس حربي لأهداف مختلفة، وهو تقدم هائل تحقق خلف أبواب الحصار دون أي مساعدة خارجية. بل إن الحصار نفسه كان الحافز الأكبر للعلماء الإيرانيين لابتكار حلول غير موجودة حتى في الموسوعات الغربية.
لقد نجحت إيران في قلب المعادلة؛ فبدلاً من أن يكون الحصار نقطة ضعف تقودها إلى الاستسلام، جعلته نقطة قوة في صناعة القرار. وبدلاً من أن تكون العقوبات سبباً في انهيارها، جعلتها القوة الدافعة لنهضتها. ولم يكن هذا عبقرية عابرة، بل نتاج رؤية استراتيجية آمنت بأن العزة لا تمنح ولا تشترى، بل تنتزع من رحم التحديات، وأن معادلات القوة قابلة للكسر طالما توافرت الإرادة والصبر والإيمان بعدالة القضية.
وهذا هو السر الذي تعجز واشنطن وتل أبيب عن فهمه؛ لأن الحرب مع إيران ليست حرب أسلحة فحسب، بل حرب عقائد وثقافات، يكون المنتصر فيها من يمتلك رؤية للغد لا تعتمد على ما يملكه اليوم، بل على ما يستطيع صنعه مما بين يديه.
لقد أثبتت إيران أن عناصر الردع لا تقتصر على ما تملك الدول من أسلحة فتاكة، وتكنولوجيا متقدمة، وأساطيل عملاقة، وطائرات شبحية، وما يُصنع في معامل الموت فقط، بل إن عناصر الردع تكمن أيضاً في قلوب الرجال الذين لا يعرفون الاستسلام، وفي عزيمة شعب اختار الكرامة على الرضوخ، والعيش بعز الاستقلال على العيش بذل الاحتلال، مستمداً من الإمام الحسين عليه السلام إيماناً وثباتاً وعزيمةً وعزةً وإباءً، مردداً شعار: «إِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً، وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَمًا»، ونهجاً في مقارعة قوى الاستكبار من أجل الحياة الحرة الكريمة، وهو ما تحقق بفضل التوكل على الله والثقة بالنفس.

