قائمة الموقع

طفولة مسروقة وأمومة مثقلة.. أحلام سليمان تحيا بين خيام النزوح في غزة

2026-06-23T12:55:00+03:00
الشابة أحلام سليمان تحضن طفلتها
فلسطين أون لاين

في خيمة مهترئة داخل أحد مخيمات النزوح في مدينة غزة، تعيش الشابة أحلام سليمان (19 عاماً) حياةً لا تشبه عمرها، ولا تشبه أحلام الفتيات في مثل سنها، إذ بدلاً من أن تبدأ حياتها الزوجية بهدوء واستقرار، وجدت نفسها منذ الأيام الأولى للحرب التي اندلعت عام 2023 في قلب دوامة نزوح متكرر، وفقر شديد، وواقع إنساني قاسٍ حوّل تفاصيل يومها إلى معركة بقاء يومية لها ولطفليها الصغيرين.

أحلام، المنحدرة من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، غادرت منزلها مع بداية الحرب على أمل أن تكون أياماً معدودة وتعود، لكنها لم تتوقع أن يمتد النزوح، وأن يتحول منزلها إلى مكان محفوف بالمخاطر كانت تضطر للعودة إليه أحياناً لجلب ما تبقى من احتياجاتها الأساسية.

تقول أحلام في حديثها بصوت يختلط فيه التعب بالخوف: "في كل مرة كنت أرجع فيها للبيت عشان أجيب أغراض، كنت أرجع مصابة… مرة شظايا، مرة جروح، ومرة أطلع وأنا مرعوبة إني ما أرجعش أصلاً".

ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الزيارات القسرية محفوفة بالمخاطر، ما دفعها إلى تقليلها رغم حاجتها الشديدة لما تبقى داخل منزلها.

ورغم صغر سنها، تتحمل أحلام مسؤولية أسرة كاملة، فهي أم لطفلين: طفلة تبلغ من العمر عامين وطفل لم يُكمل عامه الأول، وكلاهما وُلدا خلال الحرب وفي ظروف قاسية غابت فيها أبسط مقومات الحياة.

لم تعرف أحلام خلال فترتي الحمل والولادة معنى الاستقرار أو الرعاية الصحية الكاملة، بل عاشت تحت ضغط النزوح وانعدام الأمان، لتبدأ معها رحلة الأمومة في أكثر الظروف قسوة.

تصف أحلام الأيام الأولى بعد ولادة طفلها الثاني بأنها كانت "الأصعب على الإطلاق"، إذ لم يكن متوفراً لديها الحليب الكافي ولا الحفاضات ولا حتى الملابس المناسبة، مضيفة: "كنت أحياناً أضطر أستخدم أي شيء أقدر أستفيد منه… ما فيش بامبرز، وما فيش حليب، وما فيش لبس".

في ظل هذا النقص الحاد، اضطرت إلى ابتكار حلول بدائية لتأمين احتياجات أطفالها، فكانت تجمع الملابس المستعملة أو المرمية، وتعيد غسلها وخياطتها يدوياً لتناسب أطفالهما الصغيرين.

كما تلجأ أحياناً لاستخدام الملابس غير الصالحة كوقود لإشعال النار داخل الخيمة، في ظل غياب الغاز والكهرباء والحطب، ما يجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية تحدياً يومياً للبقاء.

الخيمة التي تعيش فيها أحلام لا توفر أي شكل من أشكال الحياة الإنسانية، فلا فراش مناسب ولا أدوات كافية ولا مساحة آمنة للأطفال، وتقول: "عندي فرشتين بس، جبتهم من مؤسسة، بس صاروا ما ينفعوش للنوم… متقطعين وما بيوفروا راحة".

وتتابع بأسى: "نفسي أجيب فراش نظيف وملابس جديدة إلي ولأولادي… نفسي أحس إني بنت زي باقي البنات، مش كل حياتي تعب وبس".

في هذا الواقع، تغيب الإضاءة تماماً مع حلول الليل، ويغرق المخيم في ظلام دامس، لا يُكسر إلا بضوء الهواتف أو كشافات بسيطة، ما يزيد من صعوبة الحياة اليومية ويضاعف شعور الخوف، خاصة لدى الأطفال.

تقول أحلام: "بالليل ما بنشوفش شيء… بنمشي على نور الموبايل، والخيمة بتكون مظلمة بشكل مخيف، خصوصاً مع وجود الأطفال".

ومع تدهور الظروف المعيشية، اضطر زوجها لبيع هاتفه المحمول لتوفير الحليب والحفاضات، في خطوة تعكس حجم العجز الاقتصادي الذي تعيشه الأسرة، حيث لم يعد حتى التواصل مع العالم الخارجي أولوية أمام احتياجات الأطفال الأساسية.

وتعتمد العائلة على ما يتوفر من مساعدات أو ما يُعثر عليه، من ملابس مستعملة أو مواد بسيطة، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الحياة داخل الخيمة.

لكن خلف كل ذلك، يبقى الشعور الأثقل هو العجز أمام الأطفال، تقول أحلام وهي تنظر إلى خيمتها: "أنا مش قادرة أعيشهم حياة طبيعية… كل يوم بحاول أعمل لهم أي شيء، بس كل شيء ناقص".

هذا النقص المستمر في الغذاء والدواء والملابس والأمان يترك أثراً عميقاً على نفسيتها، لكنها تحاول الصمود من أجل طفليها اللذين تعتبرهما الدافع الوحيد للاستمرار.

قصة أحلام ليست حالة فردية، بل نموذج لآلاف العائلات النازحة في قطاع غزة التي تعيش في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وسط تدهور غير مسبوق في الخدمات الأساسية والأوضاع الإنسانية.

ورغم ذلك، ما زالت أحلام تتمسك بأمل بعيد، تقول: "نفسي الحرب توقف… ونرجع بيوت آمنة… ونعيش مثل باقي الناس".

بين الخوف والحرمان، وبين النزوح والبحث عن لقمة العيش، تقف أحلام سليمان شاهدة على مرحلة قاسية من عمرها، حرمتها طفولتها وأثقلت بدايات أمومتها، لكنها رغم كل شيء ما زالت تحاول أن تصنع حياة من لا شيء لأطفال وُلدوا في زمن لم يعرفوا فيه سوى الحرب.

اخبار ذات صلة