فلسطين أون لاين

"هرمون الحياة" على حافة النفاد.. نقص الإنسولين يهدد 2500 طفل مريض بالسكري في غزة

...
الطفلة شفا عبد العال على سرير المرض
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

لم تعد معاناة الأطفال المصابين بالسكري في قطاع غزة تقتصر على مواجهة مرض مزمن يلازمهم مدى الحياة، بل باتت تمتد إلى صراع يومي من أجل الحصول على الإنسولين، الدواء الذي يحفظ حياتهم ويمنع أجسادهم الصغيرة من الانهيار أمام مضاعفات قد تكون قاتلة.

في أحد أسرّة مستشفى التحرير بمدينة خانيونس، ترقد الطفلة شفا عبد العال منهكة بعد نوبات متكررة من ارتفاع مستويات السكر في الدم. وبينما تراقب والدتها يسرا حالتها بقلق، لا تخشى المرض بقدر ما تخشى غياب العلاج الذي تعتمد عليه ابنتها للبقاء على قيد الحياة.

وتجسد قصة شفا جانبًا من معاناة نحو 2500 طفل مصاب بالسكري في قطاع غزة، يواجهون أزمة متفاقمة بسبب النقص الحاد في الإنسولين والمستلزمات الطبية الأساسية، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من ضغوط غير مسبوقة نتيجة الحرب والحصار وتراجع الإمدادات الطبية.

تقول يسرا إن ابنتها شُخّصت بمرض السكري من النوع الأول وهي في الرابعة من عمرها، ومنذ ذلك الحين أصبحت بحاجة إلى متابعة طبية مستمرة وأجهزة قياس للسكر وأقلام إنسولين وغذاء خاص ومنتظم، إلا أن معظم هذه الاحتياجات باتت مفقودة أو نادرة.

وتوضح لصحيفة "فلسطين" أن شفا تتعرض بصورة متكررة لارتفاعات خطيرة في مستوى السكر، ما يضطرها إلى إدخالها المستشفى أو العناية المركزة بشكل متكرر.

وتضيف بحسرة: "أحيانًا يصل مستوى السكر لديها إلى أرقام خطيرة جدًا، ولا أملك حتى جهازًا أراقب به حالتها داخل الخيمة. نعيش ظروفًا قاسية للغاية، وطفلتي بحاجة إلى رعاية خاصة وغذاء منتظم لا نستطيع توفيره".

ولا تبدو قصة شفا استثناءً، بل تمثل واقع آلاف الأطفال المرضى في القطاع، الذين يواجهون خطرًا متزايدًا مع استمرار أزمة نقص الإنسولين والمستلزمات الطبية الخاصة بمرض السكري.

أصعب الأزمات الصحية

ويقول الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، إن مرضى السكري في غزة يعيشون واحدة من أصعب الأزمات الصحية منذ سنوات، موضحًا أن الإنسولين السريع المفعول المعروف باسم "نوفورابيد" مفقود بالكامل منذ نحو ستة أشهر.

ويؤكد الفرا أن هذا النوع من الإنسولين يمثل عنصرًا أساسيًا في حياة الأطفال المصابين بالسكري، وأن غيابه يضعهم أمام مخاطر صحية جسيمة.

ويضيف: "الإنسولين ليس دواءً عاديًا لهؤلاء الأطفال، بل هو هرمون حياة، وبدونه يصبحون عرضة لمضاعفات خطيرة قد تنتهي بالوفاة".

ولا تتوقف الأزمة عند الإنسولين السريع، إذ يشير الفرا إلى أن مخزون الإنسولين طويل المفعول بات شحيحًا للغاية، فيما تقترب صلاحية الكميات المتوافرة من نهايتها خلال الأشهر المقبلة، ما ينذر بتفاقم الأزمة بصورة غير مسبوقة.

ويتابع أن المستشفيات تستقبل بشكل متكرر أطفالًا يعانون من ارتفاعات حادة في مستويات السكر أو من الحماض الكيتوني السكري، أحد أخطر مضاعفات المرض الناتجة عن نقص الإنسولين وعدم انتظام العلاج.

كما يؤكد أن العديد من هؤلاء الأطفال يضطرون لتلقي الإنسولين عبر الوريد داخل المستشفيات بعد فقدان البدائل العلاجية التي كانت متاحة سابقًا.

وتشمل الأزمة كذلك نقص أجهزة قياس السكر وشرائط الفحص والتحاليل الدورية اللازمة لمراقبة المرض، وعلى رأسها فحص HbA1c الذي يحدد مدى السيطرة على مستويات السكر خلال الأشهر الثلاثة السابقة.

ويشير الفرا إلى أن معاناة المرضى لا ترتبط بنقص الدواء فقط، بل تمتد إلى الجانب الغذائي والمعيشي، إذ يحتاج مرضى السكري إلى غذاء متوازن غني بالبروتينات والخضروات والألياف، في حين تعاني الأسواق من نقص حاد في هذه الأصناف أو من ارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر النازحة.

كما حذر من تداعيات الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، موضحًا أن الإنسولين يحتاج إلى ظروف تخزين محددة للحفاظ على فعاليته، وأن أزمة الكهرباء ونقص الوقود يهددان سلامة كميات من الأدوية الحساسة، في وقت تعاني فيه المستشفيات أصلًا من نقص حاد في المخزون الطبي.

وأوضح أن الأطفال المصابين بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتهم مرضى السكري، يدفعون ثمنًا باهظًا للأزمة الإنسانية المتفاقمة، مؤكدًا أن جميع الأطفال المصابين بالسكري في غزة بحاجة إلى علاج يومي ومراقبة مستمرة لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع.

ولفت إلى أن المنظمات الدولية تدرك حجم الأزمة، وأن كميات من الأدوية والمستلزمات الطبية موجودة بالفعل خارج القطاع، إلا أن استمرار القيود الإسرائيلية على إدخالها يحرم المرضى من الوصول إليها.

وبين سرير شفا في مستشفى التحرير وآلاف الأسر التي تترقب وصول الدواء لأطفالها، تتزايد المخاوف من تحول أزمة الإنسولين إلى كارثة صحية واسعة النطاق، فيما يبقى آلاف الأطفال عالقين بين مرض مزمن لا يرحم ودواء أصبح الحصول عليه معركة يومية من أجل البقاء

المصدر / فلسطين أون لاين