هل أصبحت الإنسانية اليوم معيارًا تضعه الدول القوية، فتحدد لنا متى نبكي ومتى نفرح؟
إن أي حادث أو كارثة تقع في أي بقعة من العالم، مهما كانت ديانة أصحابها أو أعراقهم، تؤثر في صاحب الفطرة السليمة، وهذا ما يمكن أن نسميه "الإنسانية"، وهو المبدأ الذي تدافع عنه دول العالم، وخاصة الدول الغربية.
لقد أصبحت الإنسانية شعارًا عالميًا ومبدأً يُروَّج له في كل مكان، حتى صار يُنظر إلى القرب من هذا المبدأ بوصفه علامة على التحضر والرقي. وهذا كلام نظري جميل جدًا، ولكن السؤال الحقيقي هو: كيف يكون التطبيق العملي؟
فكل شعار لا يمكن تصديقه إلا بعد اختباره ووضعه على المحك.
والأصل أن الإنسانية قيمة متكاملة لا تتجزأ، وليس لها مقاس معين؛ فلا تكون الإنسانية مطبقة في مكان، في حين تُغمض الأعين عنها في مكان آخر.
وقد مرت بنا خلال السنوات الأخيرة حادثة عظيمة كشفت لكثير من الناس حقيقة هذه الإنسانية المزعومة، ألا وهي حرب غزة.
هل تعرفون ما حرب غزة؟ وهل يمكن للكلمات أن تصف حال الناس فيها؟
تُعرِّف إحدى المنظمات الغربية الكارثة البشرية بأنها:
"اضطراب خطير في عمل المجتمع أو الجماعة، يتسبب في خسائر بشرية ومادية وبيئية واسعة النطاق، تتجاوز قدرة المجتمع المتضرر على التعامل معها باستخدام موارده الخاصة."
وعندما نتأمل هذا التعريف نجد أن معظم محاوره تنطبق على أهل غزة، بل وتتجاوزها بكثير.
فقد تعرض أهل غزة لدمار شامل، وتساقطت عليهم أطنان من المتفجرات، وفقدوا كل شيء: أرواحًا، وأموالًا، وبيوتًا، وأبناءً.
ومهما تكلمنا فلن نستطيع أن نصف حجم المأساة التي يعيشونها.
ولعلنا إذا قلنا إن غزة تمثل واحدة من أعظم الكوارث الإنسانية في هذا القرن، نكون قد اقتربنا من وصف الواقع.
وهنا، وحتى لو سلّمنا بالرواية التي يرددها بعض الغربيين بأن هناك من أهل غزة من تسبب في إشعال هذه الحرب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل يبرر ذلك ما حدث لملايين المدنيين؟ وهل يبرر هذا الحجم الهائل من الدمار والمعاناة؟
بل نسأل سؤالًا آخر: لو كان أهل غزة حيوانات لا بشرًا، فماذا كنا سنسمي ما جرى لهم؟ أليست تلك كارثة كبرى تستوجب تحرك العالم كله؟
لكن السؤال الأهم: لماذا لم يصنف العالم الغربي ما يحدث في غزة على أنه كارثة إنسانية تستدعي الموقف نفسه الذي يتخذه في أزمات أخرى؟ ولماذا لم يتحرك بالقدر الذي تتطلبه هذه المأساة؟
أهذه هي الإنسانية التي يُنادى بها؟!
فعندما تقع حادثة في بلد غربي، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتتصدر الأخبار والعناوين، ويتحرك الساسة والإعلاميون، وتصدر الإدانات والمواقف، ويقف العالم كله متضامنًا.
وليس المقصود هنا التقليل من شأن أي كارثة أو أي روح بريئة، مهما كان عرقها أو انتماؤها، فكل نفس بشرية تستحق الاحترام والحياة.
لكن لماذا يبدو ميزان التعاطف مختلفًا؟
لماذا نحزن ونبكي وندين في بعض الأماكن، بينما نتعامل مع مآسٍ أخرى بالصمت أو التجاهل؟
إذا كانت الإنسانية قيمة عالمية حقًا، فلماذا لا نراها بالوضوح نفسه في غزة؟ ولماذا تُغمض الأعين عن مأساة يتفق العقلاء على أنها كارثة إنسانية بكل المقاييس؟
إن الجواب الذي يراه كثير من الناس واضح، وهو أن الإنسانية، في التطبيق العملي، أصبحت تُقاس أحيانًا بحسب المكان والهوية والمصالح، لا بحسب حجم المعاناة نفسها. وهنا انكشف زيف كثير من الشعارات التي طالما رُفعت باسم حقوق الإنسان والعدالة.
ولعل أصحاب هذه الشعارات بحاجة إلى مراجعة صادقة لأنفسهم ولمواقفهم.
ويبدو أن غزة، رغم ما تعيشه من جراح وآلام، ما زالت تقدم للعالم دروسًا قاسية، وتكشف كل يوم حقيقة كثير من المواقف والشعارات.
وفي الختام أقول:
مهما تكلمنا عن غزة فإننا نظل مقصرين في حقها، وينبغي أن نخجل من أنفسنا ما دامت هذه المعاناة مستمرة.
لكِ الله يا غزة العزة.

