كشفت تصريحات حادة وغير مسبوقة وجهها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى وزراء في حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف عن تحول يتجاوز حدود الخلافات السياسية التقليدية بين واشنطن و"تل أبيب"، ليعكس تغيرا متناميا في المزاج الأميركي العام.
يتزامن هذا التحول مع نتائج استطلاعات رأي أظهرت تراجعا ملحوظا في التأييد الشعبي لـ(إسرائيل) داخل الولايات المتحدة، مع تداعيات حرب الإبادة على غزة، وتصاعد الانتقادات للسياسات العدوانية التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو في المنطقة.
وفي واحدة من أكثر الرسائل المباشرة التي صدرت عن مسؤول أميركي رفيع المستوى تجاه حكومة نتنياهو خلال الفترة الأخيرة، انتقد فانس هجمات وزراء نتنياهو على الرئيس الأميركي، مؤكدا أن دونالد ترامب هو الزعيم الوحيد في العالم الذي يقف إلى جانب إسرائيل في هذه المرحلة.
كما شدد على أن جزءا كبيرا من القدرات العسكرية الإسرائيلية يعتمد على الدعم الأميركي الممول من دافعي الضرائب، في إشارة حملت أبعادا سياسية تتجاوز الخلافات الظرفية نحو إعادة تذكير تل أبيب بحجم اعتمادها الاستراتيجي على واشنطن.
تزامنت هذه التصريحات مع نتائج استطلاعات للرأي استندت إلى بيانات صادرة عن مركز بيو للأبحاث، أظهرت أن نحو 60% من الأميركيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما عبر 59% عن ثقة قليلة أو معدومة بنتنياهو، كما بينت الاستطلاعات أن المواقف السلبية ترتفع بصورة أكبر بين فئات الشباب.
وقد أظهرت دراسات أخرى أن غالبية الأميركيين بين 18 و29 عاما باتوا يشعرون بقرب أكبر من الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، ما يعكس تحولا عميقا في اتجاهات الرأي العام الأميركي خلال الفترة الأخيرة.
غزة في قلب التحول الأميركي
ويعتقد الخبير في الشؤون السياسية والأمريكية د. نعيم الريان، أن حرب الابادة الإسرائيلية على غزة تمثل العامل الأكثر تأثيرا في التحولات الجارية داخل الرأي العام الأميركي، فالمشاهد اليومية للقتل والدمار والتجويع التي تابعها الأميركيون لم تعد مجرد أخبار خارجية، بل تحولت إلى مادة حية أثارت أسئلة أخلاقية وسياسية حول طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل وحدود استمراره.
ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا حاسما في كسر الاحتكار التقليدي للرواية الإعلامية، ما أتاح للجمهور الأميركي متابعة الأحداث مباشرة من الميدان دون وسائط تقليدية، الأمر الذي عزز إعادة تشكيل المواقف تجاه الصراع في فلسطين.
ويضيف الريان في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن القضية الفلسطينية باتت تقرأ في الوعي الأميركي من زاوية إنسانية متزايدة، بعد أن كانت تختزل في إطار سياسي أو أمني، وهو ما وسع نطاق التعاطف مع الفلسطينيين، خصوصا لدى الأجيال الشابة الأكثر تفاعلا مع المحتوى الرقمي.
تحولات الرأي والأجيال في أميركا
ويشير أيضا إلى أن الشعور المتزايد لدى الأميركيين بأن أموال الضرائب تستخدم في دعم الحرب على غزة ساهم في تحويل النقاش من قضية خارجية إلى قضية داخلية تمس المواطن مباشرة. كما أصبحت الجامعات الأميركية أحد أهم مراكز التعبير عن هذا التحول من خلال الحركات الطلابية والاحتجاجات المتصاعدة.
ويوضح أن هذا التغير لا يقتصر على الديمقراطيين، بل يمتد أيضا إلى داخل الحزب الجمهوري، فقد بدأت تيارات "أميركا أولا" تعيد النظر في كلفة الدعم غير المشروط لإسرائيل، في ظل تصاعد النزعة الانعزالية داخل السياسة الأميركية.
ويؤكد الريان أن أحد التطورات اللافتة في المشهد الأميركي يتمثل في انتقال الخطاب حول إسرائيل من كونه قضية خارجية إلى ملف داخلي مرتبط مباشرة بالسياسة الانتخابية. فعدد متزايد من المرشحين باتوا يأخذون بعين الاعتبار مواقف قواعدهم الشعبية من الدعم العسكري لإسرائيل عند صياغة خطاباتهم وبرامجهم الانتخابية.
كما يضيف أن هذا التحول لا ينفصل عن تراجع تأثير اللوبيات التقليدية في تشكيل الرأي العام، في مقابل صعود تأثير الإعلام الرقمي الذي جعل الرواية البديلة للصراع أكثر حضورا وانتشارا داخل المجتمع الأميركي، خصوصا بين فئة الشباب.
ويشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة تعريف العلاقة الأميركية الإسرائيلية ليس فقط على مستوى السياسات، بل على مستوى الشرعية الشعبية التي كانت تشكل أحد أهم عناصر قوة هذا التحالف عبر العقود الماضية.
اتجاه راسخ
من جهته، يرى د. ماهر الشريف أن هذا التحول لم يعد ظاهرة عابرة، بل بات اتجاها راسخا في الرأي العام الأميركي. فارتفاع نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل إلى نحو 60% يعكس تغيرا بنيويا في المزاج العام، خصوصا إذا ما قورن بالسنوات السابقة التي كانت فيها صورة إسرائيل أكثر إيجابية واستقرارا داخل المجتمع الأميركي.
ويضيف في مقال نشره مؤخرا، أن الفجوة الجيلية تلعب دورا محوريا في تعميق هذا التحول، إذ إن الأجيال الشابة تميل بشكل أكبر إلى إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل وفق معايير حقوقية وإنسانية، بعيداً عن الاعتبارات التقليدية للتحالفات السياسية.
كما يشير إلى أن هذا التغير يتزامن مع تراجع نسبي في التماسك التقليدي للدعم الحزبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة تدريجية لطبيعة هذا الدعم في المستقبل.
مجمل المعطيات تشير إلى أن التحالف الأميركي الإسرائيلي لا يواجه انهيارا مباشرا، لكنه يدخل مرحلة إعادة تشكل تدريجية، تتداخل فيها التحولات الشعبية مع إعادة ترتيب الأولويات السياسية داخل واشنطن. وبينما يبقى الدعم الرسمي قائما، فإن التراجع الواضح في التأييد الشعبي، خصوصا بين الشباب، يعكس اتجاها قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين الجانبين في السنوات المقبلة، في ظل تأثيرات متصاعدة لحرب غزة على الرأي العام الأميركي.

