تدفع نائلة مريش (24 عامًا) كرسيها المتحرك فوق أرض مائلة في خيمة نزوح بمدينة غزة، لكن الطريق الأصعب أمامها ليس بين الخيام، بل في انتظار سفر قد يعيدها إلى المشي من جديد.
"من خيمة إلى خيمة، شاهدت الموت مرتين"، تقول نائلة لصحيفة "فلسطين". ففي أغسطس/آب 2024 عندما حطت رحالها قسرا في دير البلح، أصيبت مع طفلتها الوحيدة، واستشهد اثنان من إخوتها وعدد من جيرانها في قصف مجاور.
وفي يوليو/تموز 2025 كانت تطهو مع والدتها أشباه الطعام وسط المجاعة. دون إنذار سقط صاروخان إسرائيليان بجوارهما. استشهدت الأم، وأصيبت نائلة مع طفلتها مرة أخرى.
في الضربة الجوية الأخيرة، تحسست نائلة جراحها، ولم تستطع النهوض مجددا، لتجد نفسها رهينة انتظار طويل في قوائم 20 ألف جريح ومريض تستدعي حالاتهم السفر للعلاج في الخارج.
حكاية فاصلة
قبل شن الاحتلال حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت نائلة تعيش مع زوجها وطفلتها البالغة حاليا خمسة أعوام، في بيتهم شرق حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ومع بدء الحرب نزحت تحت النار.
"كانت أول مرة نجبر فيها على النزوح لأن منطقتنا قريبة من السياج الفاصل ما شكل خطرا علينا". تعود نائلة بذاكرتها إلى بداية حكاية فاصلة في حياتها.
مثقلة بالمخاوف والتشريد القسري، لجأت حينها إلى حي التفاح شمال شرق مدينة غزة، وبسبب القصف، نزحت مجددا إلى حي الزيتون جنوب شرق المدينة، وهناك أجبرتها النيران على النزوح إلى وسط القطاع.

تتنهد الشابة كأنما تحاول إزاحة جبل جاثم على صدرها، وتضيف: مكثنا في مخيم المغازي شهرين تقريبا، قبل أن تتعرض المنطقة لتوغل إسرائيلي، ما أجبرنا على النزوح إلى دير البلح.
رغم كل هذه المعاناة لم تسلم نائلة وعائلتها. قصف الاحتلال خيمة مجاورة لخيمتها بصاروخ من طائرة حربية بدون طيار. كانت الفاجعة باستشهاد أخوين لها وإصابتها بكسر في الحوض وشظايا في اليدين والقدمين، بينما أصيبت طفلتها بكتفها وقدمها، واستشهد جميع من كان أمام الخيمة من الجيران.
استغرقت رحلة تعافي نائلة ستة أشهر للوقوف مجددا على قدميها، لكن جروح الفقد بقيت تنهش قلبها.
مجزرة جديدة
بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025 عادت نائلة مشيا على الأقدام إلى منزلها في حي الشجاعية، لكن ذلك لم يدم طويلا، فقد انقلب الاحتلال على الاتفاق واستأنف الحرب في 18 مارس/آذار من العام نفسه.
أسقط الاحتلال حمم نيرانه على الأهالي لاسيما في مدينة غزة، لإجبارهم على النزوح القسري إلى جنوب القطاع الذي ادعى أنه "آمن"، بينما كان يستهدف كثيرين منهم في طريق النزوح.
بات منزل نائلة حينها في منطقة يصنفها الاحتلال على أنها "حمراء". نزحت إلى حي الزيتون، ومكثت شهرين في خيمة لكن اشتداد نيران الاحتلال أجبرها على النزوح لحي الرمال.
هناك، أقامت مع عائلتها خيمة على رصيف أحد شوارع الحي. لم تمر سوى ثلاثة أيام، قبل أن تجد نفسها ضحية لمجزرة أخرى.
تقول نائلة، إنها كانت تطهو مع والدتها عندما أسقط الاحتلال بجوار خيمتهما صاروخين من طائرة حربية بدون طيار. أصيبت أمها بشظايا في الرأس أدت إلى استشهادها، وأصيب أخوها (14 عاما) في قلبه، وطفلتها بشظايا.
أما نائلة فأصيبت بشظيتين إحداهما في النخاع الشوكي والأخرى في الرئتين، وباتت أسيرة للشلل النصفي. "فقدت الإحساس بقدمي نهائيا"، تصف الشابة حالها بعد الإصابة.
أخرجت نائلة من غرفة الإنعاش، إلى واقع تشتهي فيه العودة إلى المشي، لكنها تصطدم بمنظومة صحية شبه منهارة بفعل الحرب، ومعابر شبه مغلقة.
تستدعي حالة نائلة، إجراء فحص "رنين مغناطيسي" لا يتوفر حاليا في غزة لتشخيص سبب الشلل النصفي بدقة، والبدء بإجراءات العلاج التي قد تستغرق أكثر من عامين، حسبما أفادها أطباء.
وبينما تحمل تحويلة طبية للعلاج، لا تزال نائلة تنتظر دورها ضمن أكثر من 20 ألف جريح ومريض يحتاجون إلى السفر للعلاج خارج غزة، يحدد الاحتلال سقفا أعلى لا يتجاوز 50 منهم للسفر يوميا، لكن العدد الفعلي للمسافرين يقل عن ذلك، وفق معطيات رسمية.

ويظهر بيان للمكتب الإعلامي الحكومي أصدره أمس، سماح الاحتلال بسفر 7,417 مسافرا فقط من أصل 20,600 مسافر كان يفترض مغادرتهم منذ أن اتفق على فتح معبر رفح البري، بنسبة التزام بلغت 36%.
ويدق مرور الوقت ناقوس الخطر على حالة نائلة التي تخشى أن تصاب قدميها بـ"التيبس" الذي من شأنه التأثير على الأعصاب وتأخير عودتها للمشي. وتحتاج نائلة لجهاز يمنع "التيبس" غير موجود في غزة.
لكن هذا ليس التحدي الوحيد. تعاني نائلة من عدم توفر أدويتها في غزة، مبينة أنها تحتاج إلى سبعة أنواع من العلاجات، لا يتوفر معظمها في المستشفيات ولا الصيدليات، وهناك ثلاثة أنواع منها باهظة الثمن.
"كل اشي متوقف على السفر..."، تقول نائلة بنبرة مختنقة بقلة الحيلة. أما أملها الوحيد فهو أن تقف على قدميها مجددا

